فهرس الكتاب

الصفحة 392 من 1217

وأما القسم الأول فإنه يتفرع فيه البيان الواقع باللسان المعرب عما في الضمير المترجم عن القلب، وفيه العلم والحكمة، وفيه الحمية والشجاعة، وفيه الجود والسماحة والوفاء بالذمة، فأما البيان، فللعرب فيه التقدم والفضل الذي يعترف به لهم اضطرارًا من لم يعترف لهم به اختيارًا، ولهم من أصناف النظم الذي لا يدخل بعضها على بعض نحو نظم الشعر، ونظم الخطب، ونظم الرسائل والاسجاع الحسنة، والأمثال الدالة على وفرة الذكاء، وصحة الذهن.

وهذا الفوز في المعرفة والحكم الموجودة في أشعارها الدالة على مثل ما وصفنا من دلالة الأمثال ما ليس لغيرهم، وإنما أخذت العجم قول الشعر عن العرب، ثم لم تلحق ثناءهم، ولا نكرت على مثل رسائلهم وخطبهم، ولا تعرفت لغاتهم، كتعرفة العربية، ولا اتبعت الوزن فيكون لها النحو والصرف الذي هي على الانفراد علم كثير، وله علماء يعتكف على الأخذ عنهم ويرتحل في طلبه من البلدن إليهم، وفيه من الكتب المتقسمة بين الواضح والغامض مثل ما لسائر العلوم الجلية، ولربما استنفذ الشغل به من الواحد، العمر الطويل، ثم لا يقف من جملته إلا على الشيء القليل، أما العلم والحكمة فإنه لا يعرف للفرس علم تفردوا به، إنما لهم أنساب ورسوم اجتمعوا عليها ووضعوها لما سلبهم الله تعالى كتابه، ورفع من بينهم خطابه، فاضطره إلى اختراع، اخترعوه من المثل المرسوم، فكانوا فيها كما قال الله عز وجل: {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} وما من قوم إلا ولهم فيما بينهم عادة وموضوعات تعارفوها وجروا عليها، ولا يكادون يعرفون غيرها.

وذلك موجود في أهل كل سوق، وفي أهل كل بيت، فلئن كانت علماء الفرس اتخذت لأنفسها مع أصاغرها وضعًا يجرون عليه ويتعاجلون به، فكذلك لا يوجب أن يكون العلماء الأمم وحكماء الفرق.

وأما العرب فلهم علم الأنواء ومعرفة الأوقات الحر والبرد، لا من قبل سير الشمس الذي هو عنان، والعلم به ضرورة، ولكن من وجود دقيقة لا يدركها إلا من يأخذها عنهم، فيحسبون منها ما يحسبه الحساب المنجمون، ويصيبون منه أبدًا، فلا يخطئون.

وأما ذم الله تعالى من قال: «مطرنا بنو كذا» لا لأنه كاذب في وقوع المطر عند ذلك النو، ولكن لأنه كان يرى المطر نعمة من الكوكب، وكان حقه أن يراها من الله تعالى.

ولها من العلم بالخيل من الانفراد، مثل ما لها من الفضل بحبلها العراب، فلو اقتصر عليها وجعلت مثلًا لأدبارها.

وقيل أن رجحان العرب على العجم كرجحان العرب على براذين العجم، فكان ذلك من أقرب الأمثال، فلهم في العلم ما يحتاج ابانه فيه قراطيس كثيرة، ولا يكمل لإدراك ألفاظهم التي يعتبرون بها من خلقها وأخلاقها وسيئاتها ألا يشار إليه في علم اللغة، معترف له بالفضل والأخذ به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت