فجوابه: إن كل العرب لم يكذبوا، وكل أهل الكتاب لم يصدقوا، وإن كان قوم منهم صدقوا فقوم من العرب قد صدقوا، فلا نقول: إن المكذب من العرب خير من المصدق من العجم.
بل المصدق من العجم أفضل.
وإنما كلامنا في مصدق من العرب ومصدق من العجم.
وقد يكون هذا في مواضع وبإزاء ما أثنى الله تعالى على النفر الذين ذكرهم الله من أهل الكتاب ثناؤه على العرب إذ يقول: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} إلى آخر السورة.
وقوله: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ} إلى آخر القصة.
وبإزاء ذمة المكذبين من العرب ذمه المكذبين من أهل الكتاب: {أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ} إلى آخر الآية.
وأمثالها كثيرة.
وفي ذلك ما يشغل المحتج عن الاحتجاج بما ذكره.
وأما ما قاله في السابق، فغلط منه.
لأنه ليس معنى ذلك الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - لما بعث سابق العرب إلى دين الإسلام تبعه في الإسلام أبو بكر وعمار وأمه وصهيب ثم بلال وسلمان، وإنما المعنى أن صهيبًا أول من أسلم من الروم.
وسلمان أول من أسلم من الفرس، ثم كان قد أسلم من العرب خلق كثير، إلى أن أسلم كل واحد من هؤلاء.
ألا ترى أن سلمان إنما أسلم بعد قدوم النبي - صلى الله عليه وسلّم - المدينة، فكيف يجوز أن يقال: إن السابق سنة بلائه من العرب وبلائه من العجم.
وأما قول المحتج: أنه لم يرتد من العجم أحد بعدما أسلم.
فجوابه: أن العجم إن كان من ولد إسحاق - صلى الله عليه وسلّم -، فقد علم أن إسحاق لم يكن يعبد النار، ولا كان وثنيًا، فهل يرضى أب لولده هذا، إلا كفر بعد إيمان.
وهل قول النصارى للمسيح: هو الله أو ابن الله إلا كفر.
ألم يكونوا ولا آباؤهم من قبل عليه.
وهل الإنكار لنبوة نبينا - صلى الله عليه وسلّم - بعد تقديم البشارات به في الكتب المتقدمة إلا كفرًا بعد إيمان.
وأما اليوم فإن نصرة العجم بالروم معروفة، وزيادة ضررهم على ضرر الروميين عنه فلا يخفى.
فكيف يجوز لهذا المحتج أن ينزههم هذا التنزيه إلا لعصبيته، وبالله العصمة والتوفيق.