وليس هذا لأن الله - عز وجل - غير محتاج في تثبيت الذنب على العبد ليعاقبه به إلى حجة وبينة، ولكن الناس يردون القيامة، وقد تباعد عهدهم بأعمالهم ونسوها وأغفلوا عنها.
فقد كانوا في الدنيا ينسبون ما يكون منهم بأخف من هذه العوارض التي عرضت لهم.
فإن تلك الحوادث إذا قوبلت بالموت والبلى، ثم الإعادة والبعث ومشاهدة أهوال يوم القيامة، كانت هباء.
ولذلك إذا قيل لهم: كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قلوا: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} فإذا عرضت عليهم الصحف الناطقة بأعمالهم وشهد عليهم كتبتها بما فيها، ووقع لهم العلم بما كان منهم ضرورة، وتبين لهم من الصواب والخطأ وفيما كان منهم ما كانوا في الدنيا جاهلين أو مستكينين فيه، وذلك مما وعدهم الله - عز وجل - أن يفعله بهم، لأن الله - عز وجل - أخبر في غير آية أنهم يردون إليه فيثيبهم بما كانوا فيه يختلفون.
فدخل من دخل النار منهم عن بصيرة باستحقاقه إياها.
ودخل من دخل منهم الجنة متحققًا بفضل الله تعالى عليه، بما أهله له من الكرامة التي أورده إياها يوم القيامة والله أعلم.
وأما أخبار الله - عز وجل - عن شهادة الجوارح على أهلها بقوله تعالى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} .
وقوله تعالى: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ} .
وقوله عز وجل: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} .
ومما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - من قوله: «إنكم مقدمون يوم القيامة، فأول ما يتكلم من أحدكم فخذه» .
وإن ذلك والله أعلم ـ يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون زيادة على ما ينطق به كتاب بعض العصاة، يريد الله تعالى به فضيحة يوم القيامة، لأنه في الدنيا كان يجاهر بالفواحش ويخلو قلبه عندها من ذكر الله - عز وجل - فلا يفعل خائفًا مشفقًا.
لكن فعل من لا يرى عليه تقية بحال، فيجزيه الله تعالى بمجاهرته إلا ساعة تفحشه وفجوره على رؤوس الأشهاد، ويكون معنى قول الله تعالى: {وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ} .
أي فعلتم فعل من يظن هذا.
كما قال في قصة يونس عليه السلام: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى} .
أي فعل من يظن أنه لا يقدر عليه والله أعلم.
والآخر أن يكون هذا، فيمكن أن يقرأ كتابه فلا يعترف بما ينطق به على هذا.
انهم يقولون لجلودهم: لم شهدتم علينا.
فهذا يدل على أن الذين يشهد عليهم جوارحهم، بلغوا غاية التمرد، فلم يذعنوا لشهادة الصحيفة، ولا كاتبيها، فاستحقوا من الله تعالى الفضح والإجزاء، نعوذ بالله منها والله أعلم.