وينبغي للإمام أن لا يولي بين الناس إلا من جمع العلم السكينة والتثبت، وإلى الفهم الصبر والحلم، وكان عدلًا أمينًا نزهًا عن المطاعم الدنية، وربما عن المطاعم الردية، شديدًا قويًا في ذات الله، متيقظًا متحققًا من سخط الله، أمينًا بالتمكين، الجوار ما لا يهاب، ولا المتعظم الجبار فلا ينتاب، لكن وسطًا خيارًا، ولا يدع الأمام مع ذلك أن يديم الفحص عن سيرته، والتصرف بحاله وطريقته.
ويقابل منه بحب تغييره بعاجل التغيير، وما يجب تقريره بأحسن التقرير، ويرزقه من بيت المال إن لم يجد من يعمل بغير رزق ما يعلم أنه يكفيه ولا تقصير به عن كفايته، فيتطلع إلى أموال الناس، ويشتغل عن أمورهم بطرف من الإكتساب يجبر به ما نقصه الإمام.
ويحتل بذلك منه، بما إليه القيام، ويقوى فيما ولاه يده، ويشد أزره، ويكف مجاورته من العمال وغيرهم عن معارضته ومزاحمته، ويأمرهم جميعًا بطاعته، ولا يرخص لأحد في الامتناع عليه إن دعاه، والخروج عن مقاله أن أمره أو نهاه، فيما يتصل بالانقياد للحكم وحسن التسليم، أو يعود عليه بالتفخيم والتعظيم.
ويتوقى أن يقال في ولايته: هذا حكم الله، هذا حكم الديوان فإن هذا من قائله إشراك بالله، إذ لا حكم إلا لله.
قال الله جل ثناؤه في كتابه: {أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} .
وكما قال تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} فمن أثبت بالحكم لغيره، فهو ومن ثبت الحق، وإلا هو كغيره سواء.
وقال: {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} .
وقال: {لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} .
وقال: {لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ} .
فمن قال: هذا حكم الله، وهذا حكم الديوان، فقد أشرك، فإن سمع بذلك واليه، فأقره عليه واعتبر طاعته وتعظيمًا له، كان مثله.
قال الله عز وجل: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ} .
فإذا كان هذا في القعود هكذا، فما الظن بالإقرار والأستحسان؟
وقال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «إن أنجع الأسماء عند الله أن يسمى الرجل باسم ملك الأملاك» .
فإذا كان التسمي باسم الله ناجعًا، أفلا يكون التعرض في الشرك في حكمه دامغًا باختيان.