ومنها تعليمه الرؤيا حتى لم يكن في وقته ولا بعده أحد أبصر منه بتأويل الرؤيا.
ويقال أنه لم يكن فيمن خلا أعلم بالتأويل من ابراهيم الخليل صلوات الله عليه.
والتأويل وإن كان قد أوتي منه كثير من الناس، فإن تأويلهم قد يخطئ وتأويل النبي - صلى الله عليه وسلّم - لا يخطيءُ والله أعلم.
ومنها تعليم الله - عز وجل - آدم عليه السلام الأسماء كلها، وذلك أنه كان خلقه ليحدث النسل وليسكنهم الأرض فيعمروها، وعلى أنه يعرض لهم أحوال لا يستغني تعضهم فيها عن اطِّلاع غيره على ما هو عنده، ليتعاونوا على الكلف التي هم محتاجون إليها، وتنزاح عليهم بعضهم لبعض، فعلمه البيان وخلق فيه النطق وعلمه الأسماء كلها، فأخذ من أخذ ذلك من ولده عنه، ثم لم يزل يأخذ كل أحد عن غيره، ولم يبتدأ أحد منهم بتعليم كما ابتدأ له أبو البشر إلا ما روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أول من قال: الآن حمي الوطيس، وجاء باسم الصلاة والإيمان والإِسلام والزكاة والجزية والنفاق ..
ويحتمل أن المبعوثين بالشرائع من الأنبياء كان يقع لهم في كلامهم من لغاتهم مثل هذا.
فأما الأصل فإنما خص به آدم عليه السلام ولأنه كان أبا البشر، ومن فيه نشأت الحاجة، فكذلك على لسانه أزيحت العلة ومنها الهداية إلى وجوه العبادات والديانات والهداية للاحكام ووجوه الحلال، أعني العبادات والاحكام جملة الشريعة التي أراها الله تعالى بقوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} وهي التي تتفاوت على السنة الرسل لما يعرض فيها من النسخ والتبديل.
فأما العبادات فإن عظم الغرض في إرسال إلى الناس دعاهم الله تعالى، ودلالتهم على ما يستحقه من التذلل له والخشوع والإِستكانة والإِشتشعار للغير واستنفاذ العمر في ذلك دون الركون إلى الجمام والراحة والخفض والدعة.
وأما الأحكام فإنها سياسة الله تعالى عباده، وبدبيره إياهم بما فيه انتظام أمورهم ودفع المارة والمظالم عنهم.
فإن الناس إذا خلوا وأنفسهم لم يهتدوا إلى ما فيه صلاحهم واعتدال الجمهور.
ومنها الهداية إلى تركيب العالم وهيأته وصفاته ماديا، أو يأتي من حواشيه وأقطاره فإن الوقوف على ذلك مفيد في الاعتبار وكثير من الامور، وعلم ذلك موجود عند أهله والكتب المنسوبة إلى إدريس عليه السلام في هذه الابواب، والمنسوبة منها إلى الدين، كانوا هذه فورثوا علمه في أيدي الناس بأبيه.
ومنها الهداية إلى مصالح الإيمان، وهي علم الطب الذي حملته حفظ الصحة على الصحيح، ودفع السقم عن السقيم، فأنه لما كان في علم الله تعالى أنه لا يخلص الصحة للناس دائمًا ولكن يستقيم أوقاتا، وكان خلق في الأرض أشياء إذا استعملوها زالت عوارض الاسقام عنهم، وأشياء إذا تناولوها خلق الاسقام إليهم وقعت لهم الحاجة إلى معرفة المضار والمنافع مما في الأرض على وجهه وحقيقة، واحتاجوا مع ذلك إلى معرفة الادواء والعلل وأسبابها الجالبة لها وأعراضها التابعة له والدالة عليها، ليستدلوا بمعرفة الأسباب على وجوه التحرز وبمعرفة الأعراض على حقائق العلل ثم يتوصلوا بمعرفة الادوية وطرق استعمالها على دفع ما قد حدث، فتكون للسلامة وتعود الصحة، وإذا كانت الحاجة إلى جميع ما ذكرنا واقعة، وكانت عقول الناس تحسر عن إدراكه لا أخبار مخبر إياهم احتاجوا إلى المخبر عنه، كما أنهم إذا لم يعملوا ما الذي يرضي الله تعالى عنهم.