فهرس الكتاب

الصفحة 590 من 1217

وقد قال قائل: وقد قال الله عز وجل: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} .

فأخبر أنه فضلهم على كثير ممن خلق ـ ومن اسم للذي يعقل ـ فثبت أنهم مفضلون على غيرهم من العقلاء وهم الملائكة!

فالجواب: لكن العقلاء سوى بني آدم ليسوا الملائكة فقط، لكن الجن مشاركون لهم في العقل، فإذا وجبت لهم الفضلة على الجن وقد وجبت الآية حظها، فلا يجب بعد ذلك تفضيلهم على الملائكة إذ ليس في الآية أنهم مفضلون على كثير منهم، بل في الآية دليل على فضل الملائكة عليهم، لأن العقلاء ثلاثة أصناف: الملائكة والإنس والجن، وقد وجب أن يكون الإنس أفضل من الجن، فثبت الذين ليس الإنس أفضل منهم هم الملائكة والله أعلم.

ومما يدل على فضل الملائكة أن الله تعالى جعل دخولهم على بني آدم في الجنة وتسليمهم عليهم من حملة الثواب الذي وعدهم بحسن أعمالهم، فقال: {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ} .

فلو كانت الملائكة دونهم لم تكن زيارتهم إياهم نعمة يحتاج إلى التوصل إليها إلى ترك الشهوات، وإجهاد النفس في الصالحات، فلما كان ذلك لا يوصل إليه إلا بما ذكرنا، بأن الملائكة أفضل وأرفع قدرًا، وإن زيارتهم للذين يزورونهم زائدة في أقدارهم معلية لرتبهم والله أعلم.

وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه إستدل على فضل البشر بأن الله - عز وجل - أقسم بحياة رسوله - صلى الله عليه وسلّم - فقال: وآمنه من العذاب بقوله: {لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} .

وقال للملائكة: {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} .

فالجواب: إن الله - عز وجل - إن كان لم يقسم بحياة الملائكة، فلم يقسم بحياة نفسه، فإنه لم يقل: لعمري، ولا قال بحياتي، فلا يدل ذلك على أن حياة النبي - صلى الله عليه وسلّم - أجل قدرًا من حياته، وأقسم بالسماء والأرض، ولا يدل ذلك على أنها أرفع قدرًا من العرش والكرسي والجنان السبع التي لم يقسم بها وأقسم بالتين والزيتون، فلا يدل على أنهما أجل رتبه من النخل التي جعلها الله مثلا لكلمة الإخلاص، وسماها طيبة.

وأما قوله عز وجل: {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ} فهو نظير قوله للنبي - صلى الله عليه وسلّم -، {وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} .

فليس منه إذا دلالة، وقد إستوفيت الكلام في هذه المسألة فما خرجته من تفسير قول الله عز وجل: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} ـ الوقوف عليه ـ فليرجع إليه إن شاء الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت