فهرس الكتاب

الصفحة 636 من 1217

فثبت أن دلالته كانت شيئًا سوى عصمة الله إياه من النار إلا أنها لما وقعت لم تخل من هذه الدلالة أيضًا، فهدى الله تعالى من هدى وخلى بين نفسه وهوان من خلى إلى اليوم الذي يُجزى فيه كل ساع بما يسعى.

وقد أخبر الله - عز وجل - أراه إحياء الموتى عيانًا، فإن كان إنما سأل الله تعالى ذلك على أعين الناس ليدل باجابته على صدقه فيما فعله من ذلك بدعائه له وبينه، وإن كان إنما سأل ذلك لخاصة فهو شيء أراده ليطمئن قلبه، فكانت دلالته على قومه أمرًا سواه وبالله التوفيق.

وأما موسى عليه السلام فإن الله - عز وجل - أخبر أنه آتاه تسع آيات بينات: العصا، واليد، والدم، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والطمس والبحر.

فأما العصا فكانت حجته على الملحدين والسحرة جميعًا، وكان السحر في ذلك الوقت منتشرًا، فلما انقلبت عصاه حية تسعى وتلقفت حبال السحرة وعصيهم، علموا أن حركتها عن خبرة حادثة فيها بالحقيقة، وليست من حد بين ما يتخل بالحبل، فجمع ذلك الدلالة على الصانع وعلى ثبوته جميعًا.

وأما سائر الآيات التي لم يحتج إليها مع السحرة، فكانت دلالات على فرعون وقومه والقائلين بالدهر، فأظهر الله بها صحة ما أخبرهم به موسى: من أن له ولهم ربًا وخالقًا إذ كانت كلها متجاوزة جدًا لقوة البشرية، وثبت بإمداد الله تعالى إياه بها حاجته إلى تصحيح دعواه أنه نبي الله ورسوله كما يقول وبالله التوفيق.

فأما يوشع ففي الأخبار أن الشمس حبست له لما دعا الله - عز وجل - وسأله جل ثناؤه أن يحبسها له عند قتاله أهل أريحا وإشرافه على فتحها عشية يوم الجمعة، وإشفاقه من أن تغرب الشمس قبل الفتح فيحرم عليهم لأجل السبت القتال، ويعلم به عدوهم فيعمل السيف فيهم ويجتاحهم فكان ذلك آيته التي خص بها بعد أن كانت نبوته ثابتة بخبر موسى عليه السلام على ما يقال والله أعلم.

وأما داوود صلوات الله عليه، فإن الله - عز وجل - ألان له الحديد وسخر له الجبال والطير فكانت تسبح معه بالعشي والإشراق، وكان على ما يقال يقرأ الزبور بأصوات مختلفة: منها صوت يطرب ومنها المهم، وتعكف الوحش والطير عليه إعجابًا به واستتابة إليه.

وأما المسيح صلوات الله عليه فإن الله - عز وجل - خلقه لا من أب، ولكن ذلك إنما علم بخبر الصادق عن الله تعالى، ولم تكن آيته ومعجزته، إنما آيته أن الله - عز وجل - أقدره على الكلام في المهد فكان يتكلم فيه كلام الحكماء وأنه كان يحيي الموتى، ويبرأ بدعائه، أو بيده إذا مسح الأكمه والأبرص، وجعل من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله.

ثم إنه رفعه من بين اليهود لما أرادوا قتله وصلبه، فعصمه ذلك من أن يخلص القتل والصلب إلى بدنه، وكان الطب عامًا غالبًا في زمانه ووقته فأظهر الله تعالى بدعائه وأجراه على يده من زوال الداء العظيم دفعة واحدة بدعائه، وحدوث جارحة لم تكن أصلًا، ورجوع الحياة إلى البدن الميت، وعجز الخلائق من الأطباء عما هو أقل من ذلك درجات كثيرة.

إن التعديل على الطبائع وإنكار ما خرج منها باطل، وإن للعالم خالقًا ومدبرًا لا يتعذر عليه إحياء ميت، ولا ابداع خارجه، ولا إزالة عدمه.

ودل بإظهار ذلك له ولأجله وبدعائه وعلى يده حاجته ما يدل على صدقه على أنه محق فيما يدعيه من رسالته وبالله التوفيق.

وأما المصطفى نبينا محمد - صلى الله عليه وسلّم - وعلى آله وصحبه وعزته، فإنه كان أكثر الرسل آيات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت