وقال قائل: معنى زيادة الإيمان المذكورة في هذه الآيات إعادة لفظ الإيمان وتكرره، ويسمى الازدياد من ألفاظ الإيمان ازدياد مجازًا، ويدل على ذلك أنه لم يقل ليزيد إيمانهم وإنما قال: {لِيَزْدَادُواْ إِيمَانًا} ليستكثروا منه بأن يعيدوه ويكبروه.
فالجواب: بأنه لا فرق بين قول القائل: ازددت إيمانًا وبين قوله: زاد إيماني، كما لا فرق بين قوله: ازددت مالًا، وبين قوله: زاد مالي، ولا بين قوله، ازددت أولادًا، وبين قوله: زاد أولادي، فإذا كان كذلك، لم يحصل هذا السائل من فرقة بين العبادتين على عوض صحيح.
ثم الذي قال حجة عليه، لأنا نسأله عن تكرير الإيمان: إيمان هو أم لا؟
فإن قال: ليس بإيمان!
قيل له: فكيف يزداد المكرر إيمانًا بأن تلفظ بما ليس بإيمان! أرأيت لو روى خبرًا وأنشد شعرًا كان يكون مزداد إيمان، فكيف صار يتكرر لفظ الإيمان مزداد إيمان، إن لم يكن ما لفظ به إيمانًا؟.
فإن قال: هو إيمان.
قيل له: أرأيت لو حكاه عن غيره، أو قرأه من كتاب يريد أن يبثه لغيره، كان يكون مزداد إيمان.
فإذا قال: لا! قيل له: فهلا علمت أنه أراد التقرب بتكريره، إنه إنما كان ذلك إيمانًا منه، يكون به مزداد إيمان، لأنه قربة منه وبر، وكل بر وقربة فواجب أن يكون إيمانًا، وفاعله مزدادًا من إيمان، ومما يدل على أن الإيمان قابل للزيادة، إجماعهم على أن المولود من المسلمين مؤمن، فإذا بلغ عاقلًا فأحدث اعتقادًا وإقرارًا كانا منه إيمانًا، وهذا زيادة إيمان كانت منه.
فثبت أن المؤمن قد يؤمن فيزداد إيمانه المتقدم بانضمام المتأخر إليه.
فإن قال: إنما كان هذا إيمانًا منه لأنه لو لم يفعله لكان كافرًا.
وهل في سائر الطاعات مفقود؟
قيل: ليس كذلك! لأنه لو بلغ ولم يخطر بقلبه أنه يحتاج إلى تحديد الإيمان، أو كان بلوغه الستين فلم يعلم أنه قد بلغ، فأحدث اعتقادًا للحق، ويشهد به للعادة لكان ذلك منه إيمانًا، ولو لم يوجد ذلك منه ما كان كافرًا، إنما يكفر إذا أبى وامتنع بعد البلوغ.
فأما إذا كان تركه تحديد الاعتقاد والشهادة، لأن ذلك لم يخطر بقلبه، وكان ذاهلًا عنه، أو لأنه لم يعلم أنه قد بلغ فليس ذلك بكفر، ومع هذا لو شهد لكان مؤمنًا، فعلمنا أن ذلك لم يكف إيمانًا لأن تركه كفر، ولكن لأنه طاعة في نفسه، فوجب أن تكون كل طاعة إيمانًا.
وهكذا الأخرس من علة يؤمن باعتقاده وإشارته، فيكون مؤمنًا فإذا برأ وزال عنه العلة وجب أن يشهد فكان تشهده إيمانًا على إيمان.
وإذا ثبت ما قلناه، فقد ظهر أن المؤمن قد يؤمن فيكون بإيمانه الثاني مزدادًا من الإيمان، والله أعلم.