ولو قيل: كانت ناقصة عمل عبد الله أنه ضامه إليها، وزائدة عليها لكان ذلك صحيحًا، فهذا هكذا في شرائع الإسلام، وما كان شرع منها شيئًا فشيئًا إلى أن أنهى الله تعالى: أن الدين منتهاه الذي كان له عنده، والله أعلم.
والوجه الآخر: أنه أراد بقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} أنه وفقهم للحج الذي لم يكن بقي عليهم من أركان الدين غيره.
فاستجمع لهم الدين أداء لأركانه، وقيامًا بفرائضه.
فإنه - صلى الله عليه وسلّم - يقول: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت» .
وقد كانوا شهدوا وصلوا وزكوا وصاموا وجاهدوا واعتمروا ولم يكونوا حجوا، فلما حجوا ذلك اليوم مع النبي - صلى الله عليه وسلّم -، أنزل الله تعالى وهم بالموقف عشية عرفة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِينًا} فإنما أراد به أنه أكمل وضعه لهم، وفي ذلك دلالة على أن أعمال البر كلها دين وإيمان وإسلام.
ومن قال بالوجه الأول ذهب إلى أنه أكمل الدين وصفًا، واحتج بما روى من أن هذه الآية لما نزلت استقرت الفرائض فما غير منها شيء إلى أن قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، وفي ذلك دليل على أن الطاعات كلها دين كما الاعتقاد والإقرار دين والله أعلم.
وأما قول الله عز وجل: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِينًا} فإنما معناه ورضيت إسلامكم الذي أنتم عليه اليوم دينًا لكم إلى آخر الأبد.
فلا أغير شيئًا منه ولا أزيد ولا أنقص، فأما من قبل ذلك فإنه كان يرضى شيئًا من دينهم لهم وقتًا ثم لا يرضاه لهم بل رضي خلافه فلما أكمل الدين أخبر أنه قد رضي لهم جميع ما هم عليه لهم دينًا فلا يغيره أبدًا.
فهذا معنى الآية وهو بعيد مما ظنه الرجل وبالله التوفيق.
قال الرجل: وعلى أنه لا سبيل إلى إكمال الدين على مذهبهم، لأن الدين عندهم اسم لا حد له من الخيرات، ولا يقدر أحد على القيام بإنفاقه، فلا تمام للدين على هذا المذهب ويبطل امتنان الله على العباد بإكمال الدين.
فيقال له: إن الخيرات لا حد لها من ناحية العباد وأفعالهم، وإلا فشعب الإيمان محدودة معلومة، فما دخل في جملتها فإيمان وجماعها جماع إيمان.
وهذا كما أن الصلاة عبادة محدودة معلومة، ولكن لا حد لما يفعله الناس منها ولا مقدارًا.
والمأكول والمشروب بين معلوم، ولكن أكل الناس وشربهم لا حد لها ولا مقدار.
فهكذا الإيمان محدود في حكم الله تعالى معلوم، ولكن فعل العباد له عودًا على بدء لا حد لها، وإنما وصف الله تعالى بالإكمال وضعه وشرعه لا أفعالهم والله أعلم.