فهرس الكتاب

الصفحة 848 من 1217

فيقال له: قد ثبت أن جهاد المسلم نفسه إيمانًا، وأنت لا تقول ذلك، فسواء خالفت الآية بإنكار أن يكون هذا الجهاد إيمانًا، وإنكار أن يكون جهاد المشركين إيمانًا، وعلى أنه قيل في الآية: {بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} فصح أن المراد بها جهاد الكفار والله أعلم.

قال الرجل: وإن كان المراد جهاد الكفرة، فالمراد هو القبول دون الفعل، لأن الفعل لو كان شرط الإيمان، لكان سائر ما ذكر من صفات المؤمنين، مثل قوله: {وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} ومثل قوله: {وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِ} {وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ} شرطًا في الإيمان.

فبطل أن يكون على وجه الأرض مؤمنًا، فسقط الخطاب الذي جاء المؤمنين.

فثبت أن المراد هو القبول، فيقال: إن الله - عز وجل - لما قال: {وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} علمنا أن المراد هو الفعل لأن القبول لا يكون بالمال.

فإنه من فرائض الإيمان.

ثم أكد ذلك بقوله: {أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} أي المحققون قولهم بفعلهم، والصدق لا يظهر في القبول وإنما يظهر الفعل، والذي يقول ولا يفعل ليس بصادق.

فبان أن الآية في الفعل، وكل ما عداه من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والتواصي بالصبر والرحمة والحق فكله إيمان، والقول فيه وفي الجهاد واحد من الفعلة أن يتكلف الرجل هذه الفعول كلها لينفي أن تكون الطاعات إيمانًا كما قلنا، ثم يذهب عليه أن هذه الأمور كلها طاعات والقول فيها كالقول في غيرها.

وما أشبهه أن يكون معجبًا فيغفله إعجابه، أو لم يجاوز في هذا الباب أحدًا، وإنما تكلم على ما وجده في بعض الكتب والله حسبه.

وأما قوله: لو كان كذلك لم يكن على وجه الأرض مؤمن، فجوابه: أنه إن لم يكن على وجه الأرض من يستوفي شعب الإيمان، فلم يكن كذلك في الأرض مؤمن كامل الإيمان، لم يلزمنا لأجل ذلك أن ينقص من شعب الإيمان.

أو يقول: إنها ليست شعب الإيمان، كما أنه لو لم يكن في الأرض من يزيد على التوحيد شيئًا ويأبى الإقرار بالنبوة والرسالة والملائكة واليوم الآخر، لم يلزمنا أن نقول: إن مجرد التوحيد إيمان، لأنا إن لم نقل ذلك لم يكن في الأرض مؤمن.

وأما بطلان الحساب الذي قصد به المؤمنون، فلا يكون وإن لم يكن في الأرض كامل الإيمان، لأن المقدار الحاصل من الإيمان الموجود من تعبدهم اسم المؤمنين ولا سيما إذا كان صريح الإيمان فقد وجد منهم، وإنما نقول ما يفوتهم من الإمارات والفروع وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت