تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه وقال تعالى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى فالعبد أخص أوصافه وأعلى مقاماته أن يكون مريدا صادق الإرادة عبدا في إرادته بحيث يكون مراده تبعا لمراد ربه الديني منه ليس له إرادة في سواه
وقد يحمل كلام الشيخ على معنى آخر وهو أن يكون معنى قوله إن ملاحظة عين الجمع توقظ الاستهانة بالمجاهدات أنه يوقظه من نوم الاستهانة بالمجاهدات وتكون اللام للتعليل أي يوقظه من سنة التقصير لاستهانته بالمجاهدات وهذا معنى صحيح في نفسه فإن العبد كلما كان إلى الله أقرب كان جهاده في الله أعظم قال الله تعالى وجاهدوا في الله حق جهاده
وتأمل أحوال رسول الله وأصحابه فإنهم كانوا كلما ترقوا من القرب في مقام عظم جهادهم واجتهادهم لا كما ظنه بعض الملاحدة المنتسبين إلى الطريق حيث قال القرب الحقيقي تنقل العبد من الأحوال الظاهرة إلى الأعمال الباطنة ويريح الجسد والجوارح من كد العمل
وهؤلاء أعظم كفرا وإلحادا حيث عطلوا العبودية وظنوا أنهم استغنوا عنها بما حصل لهم من الخيالات الباطلة التي هي من أماني النفس وخدع الشيطان وكأن قائلهم إنما عنى نفسه وذوى مذهبه بقوله
رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم ... وخاضوا بحار الحب دعوى فما ابتلوا
فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم ... وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا
وقد صرح أهل الاستقامة وأئمة الطريق بكفر هؤلاء فأخرجوهم من الإسلام وقالوا لو وصل العبد من القرب إلى أعلى مقام يناله العبد لما سقط عنه من التكليف مثقال ذرة أي ما دام قادرا عليه