فهرس الكتاب

الصفحة 1310 من 1567

وكلما كانت هذه الأخلاق في صاحبها أكمل كانت حياته أقوى وأتم ولهذا كان خلق الحياء مشتقا من الحياة اسما وحقيقة فأكمل الناس حياة أكملهم حياء ونقصان حياء المرء من نقصان حياته فإن الروح إذا ماتت لم تحس بما يؤلمها من القبائح فلا تستحي منها فإذا كانت صحيحة الحياة أحست بذلك فاستحيت منه وكذلك سائر الأخلاق الفاضلة والصفات الممدوحة تابعة لقوة الحياة وضدها من نقصان الحياة ولهذا كانت حياة الشجاع أكمل من حياة الجبان وحياة السخي أكمل من حياة البخيل وحياة الفطن الذكي أكمل من حياة الفدم البليد ولهذا لما كان الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أكمل الناس حياة حتى إن قوة حياتهم تمنع الأرض أن تبلى أجسامهم كانوا أكمل الناس في هذه الأخلاق ثم الأمثل فالأمثل من أتباعهم

فانظر الآن إلى حياة حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم وحياة جواد شجاع بر عادل عفيف محسن تجد الأول ميتا بالنسبة إلى الثاني ولله در القائل

وما للمرء خير في حياة ... إذ ما عد من سقط المتاع

العين بالله وهذه الحياة إنما تكون بعد الظفر بالمطلوب الذي تقر به عين طالبه فلا حياة نافعة له بدونه وحول هذه الحياة يدندن الناس كلهم وكلهم قد أخطأ طريقها وسلك طرقا لا تفضي إليها بل تقطعه عنها إلا أقل القليل

فدار طلب الكل حول هذه الحياة وحرمها أكثرهم

وسبب حرمانهم إياها ضعف العقل والتمييز والبصيرة وضعف الهمة والإرادة فإن مادتها بصيرة وقادة وهمة نقادة والبصيرة كالبصر تكون عمى وعورا وعمشا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت