فلما حصلت له المعاني وتخمرت في القلب واستراح العقل: عاد فتذكر ما كان حصله وطالعه فابتهج به وفرح به وصحح في هذا المنزل ما كان فاته في منزل التفكر لأنه قد أشرف عليه في مقام التذكر الذي هو أعلى منه فأخذ حينئذ في الثمرة المقصودة وهي العمل بموجبه مراعاة لحقه فإن العمل الصالح: هو ثمرة العلم النافع الذي هو ثمرة التفكر وإذا أردت فهم هذا بمثال حسي: فطالب المال ما دام جادا في طلبه فهو في كلال وتعب حتى إذا ظفر به استراح من كد الطلب وقدم من سفر التجارة فطالع ما حصله وأبصره وصحح في هذه الحال ما عساه غلط فيه في حال اشتغاله بالطلب فإذا صح له وبردت غنيمته له أخذ في صرف المال في وجوه الانتفاع المطلوبة منه والله أعلم
والعمى عن عيب الواعظ وتذكر الوعد والوعيد إنما يشتد افتقار العبد إلى العظة وهي الترغيب والترهيب إذا ضعفت إنابته وتذكره وإلا فمتى قويت إنابته وتذكره: لم تشتد حاجته إلى التذكير والترغيب والترهيب ولكن تكون الحاجة منه شديدة إلى معرفة الأمر النهي و العظة يراد بها أمران: الأمر والنهي المقرونان بالرغبة والرهبة ونفس الرغبة والرهبة فالمنيب المتذكر: شديد الحاجة إلى الأمر والنهي والمعرض الغافل شديد الحاجة إلى الترغيب والترهيب والمعارض المتكبر: شديد الحاجة إلى المجادلة فجاءت هذه الثلاثة في حق هؤلاء الثلاثة في قوله: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن النحل: 125 أطلق الحكمة ولم يقيدها بوصف الحسنة إذ كلها حسنة ووصف الحسن لها ذاتي وأما الموعظة فقيدها بوصف الإحسان إذ ليس كل موعظة حسنة