سبحانه الذي جعل لها تلك المواضع والمنازل والصفات والمقادير فلا تلبيس هناك بوجه ما وإنما التلبيس في إخراج الأسباب عن مواضعها وموضوعها وإلغائها أو في إنزالها غير منزلتها والغيبة بها عن مسببها وواضعها وبالله التوفيق
وعلى الكرامات بكتمانها
إطلاق التلبيس على هذه الدرجة أولى من إطلاقه على الدرجة الأولى فإن التلبيس في هذه الدرجة راجع إلى فعل العبد وفي الأولى إلى فعل الرب ولهذا لما كان تسمية الدرجة الأولى تلبيسا شنيعا جدا وطأله بذكر قوله تعالى وللبسنا عليهم ما يلبسون أي لا ستوحش من إطلاق ذلك على الله فإنه قد أطلقه على نفسه وقد عرفت ما فيه
والمقصود أن العبد يقوي إخلاصه لله وصدقه ومعاملته حتى لا يحب أن يطلع أحد من الخلق على حاله مع الله ومقامه معه فهو يخفي أحواله غيرة عليها من أن تشوبها شائبة الأغيار ويخفي أنفاسه خوفا عليها من المداخلة وكان بعضهم إذا غلبه البكاء وعجز عن دفعه قال لا إله إلا الله ما أمر الزكام فالصادق إذا غلب عليه الوجد والحال وهاج من قلبه لواعج الشوق أخلد إلى السكون ما أمكنه فإن غلب أظهر ألما ووجعا يستر به حاله مع الله كما أظهر إبراهيم الخليل لقومه أنه سقيم حين أراد أن يفارقهم ويرجع بذلك الوارد وتلك الحال إلى الآلهة الباطلة فيجعلها جذاذا
فالصادقون يعلمون في كتمان المعاني واجتناب الدعاوي فظواهرهم ظواهر الناس وقلوبهم مع الحق تعالى لا تلتفت عنه يمنة ولا يسرة فهم في واد والناس في واد