كان موته الطبيعي حياة له ومعنى هذا أن الموت الإرادي هو قمع الشهوات المردية وإخماد نيرانها المحرقة وتسكين هوائجها المتلفة فحينئذ يتفرغ القلب والروح للتفكر فيما فيه كمال العبد ومعرفته والاشتغال به ويرى حينئذ أن إيثار الظل الزائل عن قريب على العيش اللذيذ الدائم أخسر الخسران فأما إذا كانت الشهوات وافدة واللذات مؤثرة والعوائد غالبة والطبيعة حاكمة فالقلب حينئذ إما أن يكون أسيرا ذليلا أو مهزوما مخرجا عن وطنه ومستقره الذي لا قرار له إلا فيه أو قتيلا ميتا وما لجرح به إيلام وأحسن أحواله أن يكون في حرب يدال له فيها مرة ويدال عليه مرة فإذا مات العبد موته الطبيعي كانت بعده حياة روحه بتلك العلوم النافعة والأعمال الصالحة والأحوال الفاضلة التي حصلت له بإماتة نفسه فتكون حياته ههنا على حسب موته الإرادي في هذه الدار
وهذا موضع لا يفهمه إلا ألباء الناس وعقلاؤهم ولا يعمل بمقتضاه إلا أهل الهمم العلية والنفوس الزكية الأبية
المحمودة التي هي حياة راسخة للموصوف بها فهو لا يتكلف الترقي في درجات الكمال ولا يشق عليه لاقتضاء أخلاقه وصفاته لذلك بحيث لو فارقه ذلك لفارق ما هو من طبيعته وسجيته فحياة من قد طبع على الحياء والعفة والجود والسخاء والمروءة والصدق والوفاء ونحوها أتم من حياة من يقهر نفسه ويغالب طبعه حتى يكون كذلك فإن هذا بمنزلة من تعارضه أسباب الداء وهو يعالجها ويقهرها بأضدادها وذلك بمنزلة من قد عوفي من ذلك