وقد أجمعت هذه الطائفة على أنه لا وصول إلى الله إلا من طريق الفقر ولا دخول عليه إلا من بابه والله اعلم
قبض اليد عن الدنيا ضبطا أو طلبا وإسكات اللسان عنها مدحا أو ذما والسلامة منها طلبا أو تركا وهذا هو الفقر الذي تكلموا في شرفه الدنيا عند القوم: ماسوى الله تعالى من المال والجاه والصور والمراتب واختلف المتكلمون فيها على قولين حكاهما أبو الحسن الأشعري في مقالاته احدهما: أنها اسم لمدة بقاء هذا العالم والثاني: أنها اسم لما بين السماء والارض فما فوق السماء ليس من الدنيا وما تحت الأرض ليس منها
فعلى الاول: تكون الدنيا زمانا وعلى الثاني: تكون مكانا ولما كان لها تعلق بالجوارح والقلب واللسان كان حقيقة الفقر: تعطيل هذه الثلاثة عن تعلقها بها وسلبها منها فلذلك قال: قبض اليد عن الدنيا ضبطا أو طلبا يعني يقبض يده عن إمساكها إذا حصلت له فإذا قبض يده عن الامساك جاد بها وإن كانت غير حاصلة له كف يده عن طلبها فلا يطلب معدومها ولا يبخل بموجودها واما تعطيلها عن اللسان
فهو أن لا يمدحها ولا يذمها فإن اشتغاله بمدحها أو ذمها دليل على محبتها ورغبته فيها فاإن من أحب شيئا أكثر من ذكره وإنما اشتغل بذمها حيث فاتته كمن طلب العنقود فلم يصل إليه فقال: هو حامض ولا يتصدى لذم الدنيا إلا راغب محب مفارق فالواصل مادح والمفارق ذام
وأما تعطيل القلب منها فالسلامة من آفات طلبها وتركها فإن لتركها