والطائفة الخامسة أخذوا في الجد في المسير وهمتهم متعلقة بالغاية فهم في سيرهم ناظرون إلى المقصود بالمسير فكأنهم يشاهدونه من بعد وهو يدعوهم إلى نفسه وإلى بلاده فهم عاملون على هذا الشاهد الذي قام بقلوبهم
وعمل كل أحد منهم على قدر شاهده فمن شاهد المقصود بالعمل في علمه كان نصحه فيه وإخلاصه وتحسينه وبذل الجهد فيه أتم ممن لم يشاهده ولم يلاحظه ولم يجد من مس التعب والنصب ما يجده الغائب والوجود شاهد بذلك فمن عمل عملا لملك بحضرته وهو يشاهده ليس حاله كحال من عمل في غيبته وبعده عنه وهو غير متيقن وصوله إليه
وقوله ويصحح همة القاصد أي ويصحح له صفاء هذا العلم همته ومتى صحت الهمة علت وارتفعت فإن سقوطها ودناءتها من علتها وسقمها وإلا فهي كالنار تطلب الصعود والاتفاع مالم تمنع
وأعلى الهمم همة اتصلت بالحق سبحانه طلبا وقصدا وأوصلت الخلق إليه دعوة ونصحا وهذه همة الرسل وأتباعهم وصحتها بتمييزها من انقسام طلبها وانقسام مطلوبها وانقسام طريقها بل توحد مطلوبها بالإخلاص وطلبها بالصدق وطريقها بالسلوك خلف الدليل الذي نصبه الله دليلا لا من نصبه هو دليلا لنفسه
ولله الهمم ما أعجب شأنها وأشد تفاوتها فهمة متعلقة بمن فوق العرش وهمة حائمة حول الأنتان والحش والعامة تقول قيمة كل امرىء ما يحسنه والخاصة تقول قيمة المرء ما يطلبه وخاصة الخاصة تقول همة المرء إلى مطلوبه
وإذا أردت أن تعرف مراتب الهمم فانظر إلى همة ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه وقد قال له رسول الله سلني فقال أسألك مرافقتك في الجنة وكان غيره يسأله ما يملأ بطنه أو يواري جلده
وانظر إلى همة رسول الله حين عرضت عليه مفاتيح