الوجه الثالث من الفرق أن المعرفة تفيد تمييز المعروف عن غيره والعلم يفيد تمييز ما يوصف به عن غيره وهذا الفرق غير الأول فإن ذاك يرجع إلى إدراك الذات وإدراك صفاتها وهذا يرجع إلى تخليص الذات من غيرها وتخليص صفاتها من صفات غيرها
الفرق الرابع أنك إذا قلت علمت زيدا لم يفد المخاطب شيئا لأنه ينتظر بعد أن تخبره على أي حال علمته فإذا قلت كريما أو شجاعا حصلت له الفائدة وإذا قلت عرفت زيدا استفاد المخاطب أنك أثبته وميزته عن غيره ولم يبق منتظرا لشيء آخر وهذا الفرق في التحقيق إيضاح للفرق الذي قبله
الفرق الخامس وهو فرق العسكري في فروقه وفروق غيره أن المعرفة علم بعين الشيء مفصلا عما سواه بخلاف العلم فإنه قد يتعلق بالشيء مجملا وهذا يشبه فرق صاحب المنازل فإنه قال المعرفة إحاطة بعين الشيء كما هو وعلى هذا الحد فلا يتصور أن يعرف الله ألبتة ويستحيل عليه هذا الباب بالكلية فإن الله سبحانه لا يحاط به علما ولا معرفة ولا رؤية فهو أكبر من ذلك وأجل وأعظم قال تعالى يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما بل حقيقة هذا الحد انتفاء تعلق المعرفة بأكبر المخلوقات حتى بأظهرها وهو الشمس والقمر بل لا يصح أن يعرف أحد نفسه وذاته ألبتة
والفرق بين العلم والمعرفة عند أهل هذا الشأن أن المعرفة عندهم هي العلم الذي يقوم العالم بموجبه ومقتضاه فلا يطلقون المعرفة على مدلول العلم وحده بل لا يصفون بالمعرفة إلا من كان عالما بالله وبالطريق الموصل إلى الله وبآفاتها وقواطعها وله حال مع الله تشهد له بالمعرفة فالعارف عندهم من عرف الله سبحانه بأسمائه وصفاته وافعاله ثم صدق الله في معاملته ثم أخلص له في قصوده ونياته ثم انسلخ من أخلاقه الرديئة وآفاته ثم تطهر من أوساخه وأدرانه ومخالفاته ثم صبر على أحكام الله في نعمه وبلياته ثم دعا إليه على بصيرة