فحضر بين يديه وغلب على ظنه إتلافه فأحواله في حال حضوره مختلفة بالنسبة إلى ما يشاهده فتارة يتذكر جرمه وسطوة السلطان وقدرته عليه فيفكر فيما سيلقاه وتارة تقهره الحال التي هو فيها فلا يذكر ما كان منه ولا ما أحضر من أجله لغلبة الخوف على قلبه ويأسه من الخلاص ولكن عقله وذهنه معه وتارة يغيب قلبه وذهنه بالكلية فلا يشعر أين هو ولا من إلى جانبه ولا بما يراد به وربما جرى على لسانه في هذه الحال مالا يريده فهذا فناء الخوف
ومثال ثان في فناء الحب محب استغرقت محبته شخصا في غاية الجمال والبهاء وأكبر أمنيته الوصول إليه ومحادثته ورؤيته فبينا هو على حاله قد ملأ الحب قلبه وقد استغرق فكره في محبوبه وإذا به قد دخل عليه محبوبه بغتة على أحسن هيئة فقابله قريبا منه وليس دونه سواه أفليس هذا حقيقا أن يفنى عن رؤية غيره بمشاهدته وأن يفنى عن شهوده بمشهوده بل وعن حبه بمحبوبه فيملك عليه المحبوب سمعه وبصره وإرادته وإحساسه ويغيب به عن ذاته وصفاته وانظر إلى النسوة كيف قطعن أيديهن لما طلع عليهن يوسف وشاهدن ذلك الجمال ولم يتقدم لهن من عشقه ومحبته ما تقدم لامرأة العزيز فأفناهن شهود جماله عن حالهن حتى قطعن أيديهن
وأما امرأة العزيز فإنها وإن كانت صاحبة المحبة فإنها كانت قد ألفت رؤيته ومشاهدته فلما خرج لم يتغير عليها حالها كما تغير على العواذل فكان مقامها البقاء ومقامهن الفناء وحصل لهن الفناء من وجهين