فاعلم أن الفناء مصدر فني فناء إذا اضمحل وتلاشى وعدم وقد يطلق على ما تلاشت قواه وأوصافه مع بقاء عينه كا قال الفقهاء لا يقتل في المعركة شيخ فان وقال تعالى كل من عليها فان أي هالك ذاهب ولكن القوم اصطلحوا على وضع هذه اللفظة لتجريد شهود الحقيقة الكونية والغيبة عن شهود الكائنات
وهذا الإسم يطلق على ثلاثة معان الفناء عن وجود السوى والفناء عن شهود السوى والفناء عن إرادة السوى
فأما الفناء عن وجود السوى فهو فناء الملاحدة القائلين بوحدة الوجود وأنه ماثم غير وأن غاية العارفين والسالكين الفناء في الوحدة المطلقة ونفى التكثر والتعدد عن الوجود بكل اعتبار فلا يشهد غيرا أصلا بل يشهد وجود العبد عين وجود الرب بل ليس عندهم في الحقيقة رب وعبد
وفناء هذه الطائفة في شهود الوجود كله واحد وهو الواجب بنفسه ماثم وجودان ممكن وواجب ولا يفرقون بين كون وجود المخلوقات بالله وبين كون وجودها هو عين وجوده وليس عندهم فرقان بين العالمين ورب العالمين ويجعلون الأمر والنهي للمحجوبين عن شهودهم وفنائهم والأمر والنهي تلبيس عندهم والمحجوب عندهم يشهد أفعاله طاعات أو معاص ما دام في مقام الفرق فإذا ارتفعت درجته شهد أفعاله كلها طاعات لا معصية فيها لشهوده الحقيقة الكونية الشاملة لكل موجود فإذا ارتفعت درجته عندهم فلا طاعة ولا معصية بل ارتفعت الطاعات والمعاصي لأنها تستلزم اثنينية وتعددا وتستلزم مطيعا ومطاعا وعاصيا ومعصيا وهذا عندهم محض الشرك والتوحيد المحض يأباه فهذا فناء هذه الطائفة
وأما الفناء عن شهود السوى فهو الفناء الذي يشير إليه أكثر الصوفية