وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وعند منكري الأسباب والحكم لم يمنعه إلا محض مشيئته ليس إلا وقال إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم وقال كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم وقال كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية وقال ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب وقال ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا وقال إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا وقال وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا وقال تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وبالجملة فالقرآن من أوله إلى آخره يبطل هذا المذهب ويرده كما تبطله العقول والفطر والحس
وقد قال بعض أهل العلم الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابا تغيير في وجه العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع والتوكل معنى يلتئم من معنى التوحيد والعقل والشرع
وهذا الكلام يحتاج إلى شرح وتقييد فالالتفات إلى الأسباب ضربان أحدهما شرك والآخر عبودية وتوحيد فالشرك أن يعتمد عليها ويطمئن إليها ويعتقد أنها بذاتها محصلة للمقصود فهو معرض عن المسبب لها ويجعل نظره والتفاته مقصورا عليها وأما إن التفت إليها التفات امتثال وقيام بها وأداء لحق العبودية فيها وإنزالها منازلها فهذا الالتفات عبودية وتوحيد إذ لم يشغله عن الالتفات إلى المسبب وأما محوها أن تكون أسبابا فقدح في العقل والحسن والفطرة فإن أعرض عنها بالكلية كان ذلك قدحا في الشرع وإبطالا له وحقيقة التوكل القيام بالأسباب والاعتماد بالقلب على المسبب واعتقاد أنها بيده فإن شاء منعها اقتضاءها وإن شاء جعلها مقتضية لضد أحكامها وإن شاء أقام لها موانع وصوارف تعارض اقتضاءها وتدفعه