عرشه لا حقيقة له بل على المجاز الذي يصح نفيه وعلوه فوق خلقه بالرتبة والشرف لا بالذات وكذلك فوقيته فوقية قهر لا فوقية ذات فنزهوه عن كمال علوه وفوقيته ووصفوه بما ساووا به بينه وبين العدم والمستحيل فقالوا لا هو داخل العلم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا محايث له ولا مباين له ولا هو فينا ولا خارج عنا
ومعلوم أنه لو قيل لأحدهم صف لنا العدم لوصفه بهذا بعينه
وانطباق هذا السلب على العدم المحض أقرب إلى العقول والفطر من انطباقه على رب العالمين الذي ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته بل هو بائن من خلقه مستو على عرشه عال على كل شيء وفوق كل شيء
والقصد أن كل من أعرض عن شيء من الحق وجحده وقع في باطل مقابل لما أعرض عنه من الحق وجحده ولا بد حتى في الأعمال من رغب عن العمل لوجه الله وحده ابتلاه الله بالعمل لوجوه الخلق فرغب عن العمل لمن ضره ونفعه وموته وحياته وسعادته بيده فابتلى بالعمل لمن لا يملك له شيئا من ذلك
وكذلك من رغب عن إنفاق ماله في طاعة الله ابتلي بإنفاقه لغير الله وهو راغم
وكذلك من رغب عن التعب لله ابتلي بالتعب في خدمه الخلق ولا بد
وكذلك من رغب عن الهدى بالوحي ابتلي بكناسة الآراء وزبالة الأذهان ووسخ الأفكار
فليتأمل من يريد نصح نفسه وسعادتها وفلاحها هذا الموضع في نفسه وفي غيره
ولا ريب أن العامة مع غفلتهم وشهواتهم أصح إيمانا من هؤلاء إذا لم يعطلوا الأمر والنهي فإن إيمانا مع تفرقة وغفلة خير من شهود وجمعية يصحبها فساد الإيمان والإنسلاخ منه
وأما كذبهم على نبيهم فاعتقادهم أنه إنما كان قيامه بالأوراد والعبادات