الملائمة والمنافرة بحسب اقتضاء الطباع وقبولها للشيء وانتفاعها به ونفرتها من ضده
قالوا وهذا ليس الكلام فيه وإنما الكلام في كون الفعل متعلقا للذم والمدح عاجلا والثواب والعقاب آجلا فهذا الذي نفيناه وقلنا إنه لا يعلم إلا بالشرع وقال خصومنا إنه معلوم بالعقل والعقل متقض له
فيقال هذا فرار من الزحف إذ ههنا أمران متغيران لا تلازم بينهما
أحدهما هل الفعل نفسه مشتمل على صفة اقتضت حسنه وقبحه بحيث ينشأ الحسن والقبح منه فيكون منشأ لهما أم لا
والثاني أن الثواب المرتب على حسن الفعل والعقاب المرتب على قبحه ثابت بل واقع بالعقل أم لا يقع إلا بالشرع
ولما ذهب المعتزلة ومن وافقهم إلى تلازم الأصلين استطلتم عليهم وتمكنتم من إبداء تناقضهم وفضائحهم ولما نفيتم أنتم الأصلين جميعا استطالوا عليكم وأبدوا من فضائحكم وخلافكم لصريح العقل والفطرة ما أبدوه وهم غلطوا في تلازم الأصلين وأنتم غلطتم في نفي الأصلين
والحق الذي لا يجد التناقض إليه السبيل أنه لا تلازم بينهما وأن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة كما أنها نافعة وضاره والفرق بينهما كالفرق بين المطعومات والمشمومات والمرئيات ولكن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب إلا بالأمر والنهي وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحا موجبا للعقاب مع قبحه في نفسه بل هو في غاية القبح والله لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرسل فالسجود للشيطان والأوثان والكذب والزنا والظلم والفواحش كلها قبيحة في ذاتها والعقاب عليها مشروط بالشرع
فالنفاة يقولون ليست في ذاتها قبيحة وقبحها والعقاب عليها إنما ينشأ بالشرع والمعتزلة تقول قبحها والعقاب عليها ثابتان بالعقل