وجهان ولكن إذا تحقق النهي عنه والأمر به: أمكن اعتبار وجهيه فإن الشارع أمر بستر العورة ونهى عن لبس الحرير فهذا الساتر لها بالحرير قد ارتكب الأمرين فصار فعله ذا وجهين وأما محل النزاع: فلم يتحقق فيه النهي عن النزع والخروج عن الأرض المغصوبة من الشارع ألبتة لا بقوله ولا بمعقول قوله إلا باعتبار هذا الفرد بفرد آخر بينهما أشد تباين وأعظم فرق في الحس والعقل والفطرة والشرع وأما إلحاق هذا الفرد بالعفو: فإن أريد به أنه: معفو له عن المؤاخذة به فصحيح وإن أريد أنه لا حكم لله فيه بل هو بمنزلة فعل البهيمة والنائم والناسي والمجنون: فباطل إذ هؤلاء غير مخاطبين وهذا مخاطب بالنزع والخروج فظهر الفرق والله الموفق للصواب فإن قيل: هذا يتأتى لكم فيما إذا لم يكن في المفارقة بنزع أو خروج مفسدة فما تصنعون فيما إذا تضمن مفسدة مثل مفسدة الإقامة كمن توسط جماعة جرحى لسلبهم فطرح نفسه على واحد إن أقام عليه قتله بثقله وإن انتقل عنه لم يجد بدا من انتقاله إلى مثله يقتله بثقله وقد عزم على التوبة فكيف تكون توبته قيل: توبة مثل هذا: بالتزام أخف المفسدتين من الإقامة على الذنب المعين أو الانتقال عنه فإن تساوت مفسدة الإقامة على الذنب ومفسدة الانتقال عنه من كل وجه فهذا يؤمر من التوبة بالمقدور له منها وهو الندم والعزم الجازم على ترك المعاودة وأما الإقلاع: فقد تعذر في حقه إلا بالتزام مفسدة أخرى مثل مفسدته فقيل: إنه لا حكم لله في هذه الحادثة لاستحالة ثبوت شىء من الأحكام الخمسة فيها إذ إقامته على الجريح تتضمن مفسدة قتله فلا يؤمر بها ولا هو مأذون له فيها وانتقاله عنه يتضمن مفسدة قتل الآخر فلا يؤمر بالانتقال ولا يؤذن له فيه فيتعذر الحكم في هذه الحادثة وعلى هذا فتتعذر التوبة منها