ويتبين هذا بمثلين مضروبين أحدهما: رجل مسافر سائر على الطريق بطمأنينة وأمن فهو يعدو مرة ويمشي أخرى ويستريح تارة وينام أخرى فبينا هو كذلك إذ عرض له في سيره ظل ظليل وماء بارد ومقيل وروضة مزهرة فدعته نفسه إلى النزول على تلك الاماكن فنزل عليها فوثب عليه منها عدو فأخذه وقيده وكتفه ومنعه عن السير فعاين الهلاك وظن أنه منقطع به وأنه رزق الوحوش والسباع وأنه قد حيل بينه وبين مقصده الذي يؤمه فبينا هو على ذلك تتقاذفه الظنون إذ وقف على رأسه والده الشفيق القادر فحل كتافه وقيوده وقال له: اركب الطريق واحذر هذا العدو فإنه على منازل الطريق لك بالمرصاد واعلم أنك ما دمت حاذرا منه متيقظا له لا يقدر عليك فإذا غفلت وثب عليك وأنا متقدمك إلى المنزل وفرط لك فاتبعني على الأثر فإن كان هذا السائر تيسأ فطنا لبيبا حاضر الذهن والعقل استقبل سيره استقبالا آخر أقوى من الأول وأتم واشتد حذره وتأهب لهذا العدو وأعد له عدته فكان سيره الثاني أقوى من الأول وخيرا منه ووصوله إلى المنزل أسرع وإن غفل عن عدوه وعاد إلى مثل حاله الأول من غير زيادة ولا نقصان ولا قوة حذر ولا استعداد عاد كما كان وهو معرض لما عرض له أولا وإن أورثه ذلك توانيا في سيره وفتورا وتذكرا لطيب مقيله وحسن ذلك الروض وعذوبة مائه وتفيؤ ظلاله وسكونا بقلبه إليه: لم يعد إلى مثل سيره ونقص عما كان المثل الثاني: عبد في صحة وعافية جسم عرض له مرض أوجب له حمية وشرب دواء وتحفظا من التخليط ونقص بذلك مادة ردية كانت منقصة لكمال قوته وصحته فعاد بعد المرض أقوى مما كان قبله كما قيل:
لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجسام بالعلل