فأما قصر الأمل: فهو العلم بقرب الرحيل وسرعة انقضاء مدة الحياة وهو من أنفع الأمور للقلب فإنه يبعثه على معافصة الأيام وانتهاز الفرص التي تمر مر السحاب ومبادرة طي صحائف الأعمال ويثير ساكن عزماته إلى دار البقاء ويحثه على قضاء جهاز سفره وتدارك الفارط ويزهده في الدنيا ويرغبه في الآخرة فيقوم بقلبه إذا داوم مطالعة قصر الأمل شاهد من شواهد اليقين يريه فناء الدنيا وسرعة انقضائها وقلة ما بقي منها وأنها قد ترحلت مدبرة ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها وأنها لم يبق منها إلا كما بقي من يوم صارت شمسه على رءوس الجبال ويريه بقاء الآخرة ودوامها وأنها قد ترحلت مقبلة وقد جاء أشراطها وعلاماتها وأنه من لقائها كمسافر خرج صاحبه يتلقاه فكل منهما يسير إلى الآخر فيوشك أن يلتقيا سريعا ويكفى في قصر الأمل قوله تعالى: أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون الشعراء: 20520 وقوله تعالى ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم يونس: 45 وقوله تعالى: كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها وقوله تعالى قالوا لبثنا يوما أوبعض يوم فاسأل العادين قال: إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون المؤمنون: 1131 وقوله تعالى كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون وقوله تعالى يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة: إن لبثتم إلا يوما طه: 103104 وخطب النبيأصحابه يوما والشمس على رءوس الجبال فقال: إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه ومر رسول اللهببعض أصحابه وهم يعالجون خصا لهم قد وهى وهم يصلحونه فقال: ما هذا قالوا: خص لنا قد وهى فنحن نعالجه فقال: ما أرى الأمر إلا أعجل من هذا