الطالبة المرتاضة السائرة لا بد لها من محرك يحركها وحاد يحدوها وليس لها من حادي القرآن عوض عن حادي السماع فتركب من هذه الأمور: إيثار منهم للسماع ومحبة صادقة له تزول الجبال عن أماكنها ولا تفارق قلوبهم إذ هو مثير عزماتهم ومحرك سواكنهم ومزعج بواطنهم فدواء صاحب مثل هذا الحال: أن ينقل بالتدريج إلى سماع القرآن بالأصوات الطيبة مع الإمعان في تفهم معانيه وتدبر خطابه قليلا قليلا إلى أن فيخلع قلبه محبة سماع الأبيات ويلبس محبة سماع الآيات ويصير ذوقه وشربه وحاله ووجده فيه فحينئذ يعلم هو من نفسه: أنه لم يكن على شىء ويتمثل حينئذ بقول القائل: وكنت أرى أن قد تناهى بي الهوى إلى غاية ما فوقها لي مطلب فلما تلاقينا وعاينت حسنها تيقنت أني إنما كنت ألعب ومنافاة النوح للصبر والغناء للشكر: أمر معلوم بالضرورة من الدين لا يمتري فيه إلا أبعد الناس من العلم والإيمان فإن الشكر إنما هو الاشتغال بطاعة الله