فهرس الكتاب

الصفحة 571 من 1567

وعادى حبيبه ووالى عدوه وأسخط من حياته في رضاه وأرضى من حياته في سخطه وجاد بنفسه لعدوه وبخل بها عن حبيبه ووليه

والرب تبارك وتعالى ليس له ثأر عند عبده فيدركه بعقوبته ولا يتشفى بعقابه ولا يزيد ذلك في ملكه مثقال ذرة ولا ينقص مغفرته ولو غفر لأهل الأرض كلهم لما نقص مثقال ذرة من ملكه كيف والرحمة أوسع من العقوبة وأسبق من الغضب وأغلب له وهو قد كتب على نفسه الرحمة فرجاء العبد له لا ينقص شيئا من حكمته ولا ينقص ذرة من ملكه ولا يخرجه عن كمال تصرفه ولا يوجب خلاف كمال ولا تعطيل أوصافه وأسمائه ولولا أن العبد هو الذي سد على نفسه طرق الخيرات وأغلق دونها أبواب الرحمة بسوء اختياره لنفسه: لكان ربه له فوق رجائه وفوق أمله

وأما استسلام العبد لربه واستسلامه بانطراحه بين يديه ورضاه بمواقع حكمه فيه: فما ذاك إلا رجاء منه أن يرحمه ويقيله عثرته ويعفو عنه ويقبل حسناته مع عيوب أعماله وآفاتها ويتجاوز عن سيئاته فقوة رجائه أوجبت له هذا الاستسلام والانقياد والانطراح بالباب ولا يتصور هذا بدون الرجاء ألبتة فالرجاء حياة الطلب والإرادة روحها

وأما رضاه بمراده منه وإن عذبه: فهذا هو الرعونة كل الرعونة فإن مراده سبحانه نوعان: مراد يحبه ويرضاه ويمدح فاعله ويواليه فموافقته في هذا المراد: هي عين محبته وإرادة خلافه رعونة ومعارضة واعتراض ومراد يبغضه ويكرهه ويمقت فاعله ويعاديه فموافقته في هذا المراد: عين مشاقته ومعاداته ومخالفته والتعرض لمقته وسخطه

فهذا الموضع موضع فرقان فالموافقة كل الموافقة معارضة هذا المراد واعتراضه بالدفع والرد بالمراد الآخر

فالعبودية الحق: معارضة مراده بمراده ومزاحمة أحكامه بأحكامه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت