لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار ولا لنكح الأزواج ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الليل ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر وقوله: ولا يشهد من نفسه إلا أثر النقصان يعني لا يرى نفسه إلا مقصرا والموجب له لهذه الرؤية: استعظام مطلوبه واستصغار نفسه ومعرفته بعيوبها وقلة زاده في عينه فمن عرف الله وعرف نفسه: لم ير نفسه إلا بعين النقصان وأما قوله: ولا يلتفت إلى ترفيه الرخص
فلأنه لكمال صدقه وقوة إرادته وطلبه للتقدم: يحمل نفسه على العزائم ولا يلتفت إلى الرفاهية التي في الرخص وهذا لابد فيه من التفصيل فإن الصادق يعمل على رضى الحق تعالى ومحابه فإذا كانت الرخص أحب إليه تعالى من العزائم: كان التفاته إلى ترفيهها وهو عين صدقه فإذا أفطر في السفر وقصر وجمع بين الصلاتين عند الحاجة إليه وخفف الصلاة عند الشغل ونحو ذلك من الرخص التي يحب الله تعالى أن يؤخذ بها: فهذا الالتفات إلى ترفيهها لا ينافي الصدق
بل ههنا نكتة وهي أنه فرق بين أن يكون التفاته إليها ترفها وراحة وأن يكون متابعة وموافقة ومع هذا فالالتفات إليها ترفها وراحة لا ينافي الصدق فإن هذا هو المقصود منها وفيه شهود نعمة الله على العبد وتعبده باسمه البر اللطيف المحسن الرفيق فإنه رفيق يحب الرفق وفي الصحيح: ما خير رسول الله بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما لما فيه من روح التعبد باسم الرفيق اللطيف وإجمام القلب به لعبودية أخرى فإن القلب لا يزال يتنقل في منازل العبودية فإذا أخذ بترفيه رخصة محبوبه: استعد بها لعبودية أخرى وقد تقطعه عزيمتها عن عبودية هي أحب