يعنى: تحققه وثبوته وغلبة نوره على ظلمة ليل الحجاب فينتقل من طور العلم إلى الاستغراق في الشهود بالفناء عن الرسم بالكلية وقوله: ثم الخلاص من كلفة اليقين
يعني: أن اليقين له حقوق يجب على صاحبه أن يؤديها ويقوم بها ويتحمل كلفها ومشاقها فأذا فني في التوحيد حصل له أمور أخرى رفيعة عالية جدا يصير فيها محمولا بعد أن كان حاملا وطائرا بعذ أن كان سائرا فتزول عنه كلفة حمل تلك الحقوق بل يبقى له كالنفس وكالماء للسمك وهذا أمر التحكم فيه إلى الذوق والإحساس فلا تسرع إلى إنكاره
وتأمل حال ذلك الصحابي الذي أخذ تمراته وقعد يأكلها على حاجة وجوع وفاقة إليها فلما عاين سوق الشهادة قد قامت ألقى قوته من يده وقال: إنها لحياة طويلة إن بقيت حتى آكل هذه التمرات وألقاها من يده وقاتل حتى قتل وكذلك أحوال الصحابة رضي الله عنهم كانت مطابقة لما أشار إليه
ولكن بقيت نكتة عظيمة وهي موضع السجدة وهي أن فناءهم لم يكن في توحيد الربوبية وشهود الحقيقة التي يشير إليها أرباب الفناء بل في توحيد الإلهية ففنوا بحبه تعالى عن حب ما سواه وبمراده منهم عن مرادهم وحظوظهم فلم يكونوا عاملين على فناء ولا إلا استغراق في الشهود بحيث يفنون به عن مراد محبوبهم منهم بل قد فنوا بمراده عن مرادهم فهم أهل بقاء في فناء وفرق في جمع وكثرة في وحدة وحقيقة كونية في حقيقة دينية
هم القوم لا قوم إلا هم ... ولولاهم ما اهتدينا السبيلا