ففي الأولى: فنى عما سوى المذكور ولم يفن عن نفسه وفي الثانية: فن عن نفسه دون ذكره وفي الثالثة: فنى عن نفسه وذكره
وبقي بعد هذا مرتبة رابعة وهي: أن يفني بذكر الحق سبحانه له عن كل ذكر فإنه ما ذكر الله إلا بعد ذكر الله له فذكر الله للعبد سابق على ذكر العبد للرب ففي هذه المرتبة الرابعة: يشهد صفات المذكور سبحانه وذكره لعبده فيفنى بذلك عن شهود ما من العبد وهذا الذي يسمونه وجدان المذكور في الذكر والذاكر فإن الذاكر و ذكره و المذكور ثلاثة أشياء فالذاكر وذكره قد اضمحلا وفنيا ولم يبق غير المذكور وحده ولا شيء معه سواه فهو الذاكر لنفسه بنفسه من غير حلول ولا اتحاد بل الذكر منه بدأ وإليه يعود
وذكر العبد لربه محفوف بذكرين من ربه له: ذكر قبله به صار العبد ذاكرا له وذكر بعده به صار العبد مذكورا كما قال تعالى: فاذكروني أذكركم البقرة: 152 وقال فيما يروي عنه نبيه: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير مهم
والذكر الذي ذكره الله به بعد ذكره له: نوع غير الذكر الذي ذكره به قبل ذكره له ومن كثف فهمه عن هذا فليجاوزه إلى غيره فقد قيل: إذا لم تستطع شيئا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع وسألت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يوما فقلت له: إذا كان الرب سبحانه يرضى بطاعة العبد ويفرح بتوبته ويغضب من مخالفته فهل يجوز أن يؤثر المحدث في القديم حبا وبغضا وفرحا وغير ذلك فقال لي: الرب سبحانه هو الذي خلق أسباب الرضى والغضب والفرح وإنما كانت بمشيئته وخلقه فلم يكن ذلك التأثر من غيره بل من نفسه بنفسه والممتنع