يعني أن الباقي مع الذكر يشهد على نفسه أنه ذاكر وذلك افتراء منه فإنه لا فعل له ولا يزول عنه هذا الافتراء إلا إذا فني عن ذكره فإن شهود ذكره وبقاءه معه افتراء يتضمن نسبة الذكر إليه وهي في الحقيقة ليست له فيقال: سبحان الله ! أي افتراء في هذا وهل هذا إلا شهود الحقائق على ما هي عليه فإنه إذا شهد نفسه ذاكرا بجعل الله له ذاكرا وتأهيله له وتقدم ذكره للعبد على ذكر العبد له فاجتمع في شهوده الأمران فأي افتراء ههنا وهل هذا إلا عين الحق وشهود الحقائق على ما هي عليه نعم الافتراء: أن يشهد ذلك به وبحوله وقوته لا بالله وحده
لكن الشيخ لا تأخذه في الفناء لومة لائم ولا يصغي فيه إلى عاذل والذي لا ريب فيه: أن البقاء في الذكر أكمل من الفناء فيه والغيبة به لما في البقاء من التفصيل والمعارف وشهود الحقائق على ما هي عليه والتمييز بين الرب والعبد وما قام بالعبد وما قام بالرب تعالى وشهود العبودية والمعبود وليس في الفناء شيء من ذلك والفناء كاسمه الفناء والبقاء بقاء كاسمه والفناء مطلوب لغيره والبقاء مطلوب لنفسه والفناء وصف العبد والبقاء وصف الرب: والفناء عدم والبقاء وجود والفناء نفي والبقاء إثبات والسلوك على درب الفناء مخطر وكم به من مفازة ومهلكة والسلوك على درب البقاء آمن فإنه درب عليه الأعلام والهداة والخفراء ولكن أصحاب الفناء يزعمون أنه طويل ولا يشكون في سلامته وإيصاله إلى المطلوب ولكنهم يزعمون أن درب الفناء أقرب وراكبه طائر وراكب درب البقاء سائر والكمل من السائرين يرون الفناء منزلة من منازل الطريق وليس نزولها عاما لكل سائر بل منهم من لا يراها ولا يمر بها وإنما الدرب الأعظم والطريق الأقوم هو درب البقاء ويحتجون على صاحب الفناء بالانتقال إليه من الفناء وإلا فهو عندهم على خطر والله المستعان وهو سبحانه أعلم