عباد الله: لقد كان أبو بكر رضي الله عنه على قسط وافر من رجاحة العقل وحصيف الذكاء، يتميز به ويحتاجه ذوو الأقدار الكبيرة من الرجال ، وقد قيل فيه وفي أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما هما داهيتا قريش ، وكان رضي الله عنه أسرع إلى الفطنة والإدراك فيما يعرض به النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه من التلميح دون التصريح ، يقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر يومًا فقال: عبد خيره الله أن يؤتيه زهرة الدنيا ، وبين ما عنده فاختار ما عنده ، فبكى أبو بكر وبكى وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير ، وكان أبو بكر أعلمنا به .
عباد الله: لقي رضي الله عنه من حين إسلامه وجهره بصلاته من الأذى في مكة ما لقي ، وتحمل في ذلك ما تحمل، وفي المعارك شهد الشاهد كلها وكان القريب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت معه الراية يوم تبوك ، ولم تذكر له قط هزيمة في ساعة من ساعات الشدة لا في أحد ، ولا الخندق ولا حنين ، ولا ثبت أحد حيث يصعب الثبات إلا كان هو أول الثابتين ، ولم يفارق نبيه صلى الله عليه وسلم لا حضرًا ولا سفرًا ، روي عنه رضي الله عنه أنه التقى بابنه الكافر يوم بدر شاهدًا الحرب مع المشركين فنهض رضي الله عنه لمبارزته لأنه يرى أن من البر للدين أن ينهض بنفسه لمبارزة أبنه ، ولا يدع ذلك لأحد من المسلمين ولكن النبي صلى الله عليه وسلم استبقاه وهو يقول: متعنا بنفسك يا أبا بكر ، وحين أسلم ذلك الابن قال لأبيه: يا أبت لقد هدفت إلي يوم بدر فانحرفت عنك، فقال أبو بكر: ولكنك لو هدفت إلي لم انحرف عنك .
تلك المكارم لا ترحل لبغيتها * واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
بارك الله لي ولكم ..
الخطبة الثانية: