تأمل كيف انتقل الخطاب من لقمان إلى الخطاب من الله تعالى، ليتولى سبحانه بنفسه الوصية بالوالدين ويقرن حقهما بحقه سبحانه وشكرهما بشكره، ثم يخص الله تعالى حق الأم بالذكر والتعظيم (حملته أمُّه وهنًا على وهن وفصاله في عامين) . ذكر الله تعالى في شأن الأم ثلاث مراتب كلها خاصة بالأم: أولها الأمومة بكل ما تحمله من معانٍ ودلالات، ثم الحمل وما يلتحق به من مشاق وأوجاع، ثم الرضاعة وما فيها من الضعف والجهد.
وكل هذه المراتب إحسان وجميل من الأم يستوجب من الابن أن يحفظ الجميل ويرد صنائع المعروف وأن يجزي الإحسان بالإحسان.
ولقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - عظم حق الأم وأنها أولى الناس بحسن العشرة و المصاحبة ففي الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رجلًا قال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أمك. قال ثم من؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أبوك"."
إذا أراد الإنسان أن يكون بارا بأمه تمام البر فعليه أن يتذكر جميلها السابق و إحسانها المتلاحق (وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا) (إن اشكر لي ولوالديك إلي المصير) أي إلى الله جلّ وعلا المرجع والمآل فيجازي البار المحسن بإحسانه والعاق المسيء بإساءته .
ثم أكد الله تعالى حق الوالدين وإن كانا مشركين معاديين (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون) .
إذن، لا طاعة للوالدين في الأمر بالشرك أو المعصية، لكن مع وجوب البر والإحسان. ولهذا قال: (فلا تطعهما) يقل عز وجل فعقهما واشتمهما وحاربهما.
وهنا وقفة تأمل: إذا كانت المصاحبة بالمعروف واجبة للأبوين الكافرين، فكيف يا عباد الله بالأبوين المسلمين المصليين، فضلًا عن الصالحين التقيين؟ لا شك أن الأمر أوجب، والمقام أعظم .