كانت عظيمةً في فؤادِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فلم يتزوَّج امرأةً قبلَها ولم يتزوَّج امرأةً معها إلى أن قضَت نحبَها في عام الحزن، العام العاشر من البعثة، فحزِنَ لفَقدِها حزنًا شديدًا، وكان - صلى الله عليه وسلم - إذَا ذكرَها أعلَى شأنَها ، وأثنى عليها واستغفر لها ، وربَّما يذبح الشاةَ، فيُقطِّعُها أعضاءً، ثمّ يبعثها إلى صديقاتِها .. وسمع يومًا صوتَ أختِها هالة، فتذكر استئذان خديجة وقال:اللهم هالة.
وأما أمنا الكريمة الثانية، فهي عائشة بنتُ أبي بكرٍ الصديقِ رضي الله عنهما، ولدت في بَيتِ الصّدقِ والتّقوَى، أمُّها صحابية، وأختُها أسماء ذاتُ النطاقين صحابيّة، وأخوهَا صحابيّ، ووالِدُها صِدّيقُ هذه الأمة، وعلاَّمةُ قريشِ ونَسَّابَتُها .. منحَها الله ذكاءً متدفِّقًا وحفظًا ثاقِبًا، قال ابن كثيرٍ رحمه الله:"لم يكن في الأمَمِ مثلُ عائشَةَ في حفظها وعلمِها وفصاحتِها وعَقلها"اهـ ، وقال الذهبي رحمه الله:"أفقَهُ نساءِ الأمّة على الإطلاق، ولا أعلَمُ في أمّة محمد، بل ولا في النّساء مطلَقًا امرأةً أعلَمَ منها"اهـ.
وفي الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( فضل عائشةَ على النساء كفضلِ الثريد على سائر الطعام ) ).
أحبَّها النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وما كان ليحبّ إلا طيّبًا، يقول عمرو بن العاص: أيّ النّاس أحبّ إليك يا رسول الله؟ قال: عائشة، قلت: فمن الرجال؟ قال: أبوها .رواه البخاري .
لم يتزوَّج بِكرًا غيرَها، ولا نزَل الوحيُ في لحافِ امرأةٍ سواها، عَفيفةٌ في نفسها، عابِدةٌ لربِّها، لا تخرُج من دارِها إلاّ ليلًا لئلا يراها الرّجال، محقّقةً قولَ الله: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى) ، تقول عن نفسِها: كنّا لا نخرُج إلاّ ليلًا .