أيها المسلمون: العبادة لا يحصرها حد ولا ينقضي بها عدد ، فالصلاة عبادة ، والزكاة والحج والصدقة عبادة ، بر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى المساكين عبادة ، الصفق في الأسواق ، وتنمية التجارات ، والنفقة على الأسر والعائلات عبادة ، لمن احتسبها ، ذكر الله ، وقراءة القرآن ، والتفكر في أرجاء الكون عبادة ، فهي بإيجاز: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة .
عباد الله: إن مما ينبغي العناية به والتركيز عليه من الناس عامة ومن أهل الغيرة والفضل خاصة إعطاء النفس حقها من العبادات الذاتية أو ما يسميها البعض العبادات القاصرة كتدبر القرآن وقيام الليل والإكثار من ذكر الله وصيام الهواجر وزيارة المقابر ونحوها من العبادات التي فيها تربية للنفس على الطاعة ، وصبر عليها ، وفيها تفرغ للفؤاد خاصة في ظلمات الليالي حيث يحاسب نفسه ويخلو بمولاه ويتلذذ بالطاعة وحيدًا فريدًا لا يراه ولا يعلم به إلا مولاه سبحانه .
أيها الأخوة: لقد نبتت نابتة أضحت تركن إلى العمل المتعدي لعظم أجره وفضله ، وتركت أو هجرت ما تسميه"العمل القاصر"، بدعوى أن العمل المتعدي أفضل وأعظم أجرا من العمل القاصر ، وهذه المقولة وإن كانت صحيحة في أصلها إلا أن حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم وسير سلفنا الصالح من علماء ودعاة ونحوهم أفضل شاهد وخير قدوة نحتذي بها، فهاهو صلى الله عليه وسلم على كثرة مشاغله وأعماله يوتر يوميًا بإحدى عشرة ركعة ، ويقول صلى الله عليه وسلم: إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة وفي رواية أكثر من مائة مرة ، فلم تمنعه صلى الله عليه وسلم قيادته للغزوات ولا إمامته الصلوات ولا شؤون البيوت وغيرة الزوجات أن يحافظ على هذه العبادات .