أيها المسلمون: إن هذه الأوصاف المذكورة للغرباء تدلنا على أنهم أهل غيرة، ودعوة، وإصلاح، ولم يكونوا صالحين يائسين، مستسلمين لواقعهم الفاسد ، وإنما سُمُّوا غرباء لقلتهم في الناس جدًا فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات، فأهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة - الذين يميزونها من الأهواء والبدع - غرباء، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين هم أشد هؤلاء غربة، ولكن هؤلاء هم أهل الله حقًّا، فلا غربة عليهم، وهم الذين قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم: [إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ] قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ قَالَ: [بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ] رواه أبوداود والترمذي وابن ماجة.
أيها المسلمون: الغربة أنواع فأولها غربة أهل الحق بين الخلق وهي الغربة الممدوحة ، وهذه الغربة قد تكون في مكان دون مكان، ووقت دون وقت، وبين قوم دون قوم ، أما الغربة المطلقة في كل الأرض فلا تكون إلا قبيل قيام الساعة، أما قبل ذلك فلن تخلو الأرض من قائمين بالحق ولو كانوا قلة، قال تعالى: { فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ... [116] } [سورة هود] . وقال ابن القيم رحمه الله في شرحه 'لمنازل السائرين' عند هذه الآية: الغرباء هم أهل هذه الصفة المذكورة في الآية .
النوع الثاني من الغربة: غربة مذمومة وهي غربة أهل الباطل فهم غرباء وان كثروا لأنهم إنما يعرفون في أهل الأرض فقط.