عباد الله: على مدى التاريخ كانت هناك كوارث وزلازل أهلكت أقوامًا ومدنًا ، وكان المؤمنون يقفون منها موقف الاعتبار والاتعاظ ، فلننظر إلى بعض أحوالهم مع الكوارث ثم نعيد النظر كرة أخرى إلى حالنا لنر البون الشاسع بين حالنا وحالهم ، قال الإمام ابن كثير رحمه الله في حوادث سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة ورد كتاب من القاضي الفاضل إلى ابن الزكي يخبره فيها أن في ليلة الجمعة التاسع من جمادى الآخرة أتى عارض ــ أي سحاب ــ فيه ظلمات متكاثفة ، وبروق خاطفة ورياح عاصفة ، فقوي لهوبها ، واشتد هبوبها ، رجفت لها الجدران واصطفقت ، وتلاقت على بعدها واعتنقت ، وثار بين الأرض والسماء عجاج ، فقيل: لعل هذه على هذه قد انطبقت ، ولا تحسب إلا أن جهنم قد سال منها واد ، وعدا منها عاد ، وزاد عصف الريح إلى أن أطفأ سرج النجوم ، ومزقت أديم السماء ، ومحقت ما فوقه من الرقوم ، فكنا كما قال تعالى:"يجعلون أصابعهم في آذنهم من الصواعق حذر الموت"وكما قلنا: يردون أيديهم على أعينهم من البوارق ، لا عاصم من الخطف للأبصار ، ولا ملجأ من الخطب إلا معاقل الاستغفار ، وفر الناس رجالا ونساء وأطفالا نفروا من دورهم خفافًا وأثقالا ، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ، فاعتصموا بالمساجد الجامعة ، وأذعنوا للنازلة بأعناق خاضعة ، ووجوه عانية ، ونفوس عن الأهل والمال سالية ، ينظرون من طرف خفي ، ويتوقعون أي خطب جلي ، قاموا إلى صلاتهم وودوا لو كانوا من الذين هم عليها دائمون ، إلى أن أذن الله بالركود ، وأصبح كل يسلم على رفيقه ، ويهنيه بسلامة طريقه ، وكان يقال: بأنها قد كسرت الريح المراكب في البحار ، والأشجار في القفار ، وأتلفت خلقًا كثيرًا من السفار ، ومنهم من فر فلم ينفعه الفرار ، إلى أن قال: ولا يحسب أحد أني أرسلت القلم مرجفا، والقول مجزفا ، فالأمر أعظم ، ولكن الله سلم ... الخ رحمه الله .