أيها الناس: اتقوا الله، وتفكروا في مرور الليالي والأيام، وأن كل ساعة تمر لا تعود إلى يوم القيامة، وإنما هي مراحل تقطعونها إلى الدار الآخرة فمن عمل فيها خيرًا فليحمد الله، وليزدد منه، ومن فعل غير ذلك فليراجع نفسه، وليخف ذنبه، فإنكم راجعون إلى الله، وموقوفون بين يديه، وسيوضع الكتاب بين أيديكم، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وستجدون أعمالكم حاضرة أمامكم، ولا يظلم ربك أحدًا، { وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ... } الآية.
عباد الله: بالأمس ابتدأ هذا العام، وكل منا ينظر إلى نهايته على أنها بعيدة، فما هو إلا أن قيل قد انقضى العام، وآذن بالزوال، وهكذا الأعمار تطوى، والأيام تمضي، فماذا فعل الإنسان فيها؟ وبماذا قضاها، يقول أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -:"إنكم تغدون وتروحون إلى أجل قد خفي عنكم علمه، فإن استطعتم أن لا يمضي هذا الأجل إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا"، وفي الحديث عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنكبي فقال:"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"، فانظر يا عبدالله كيف جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - قصر الأمل في الدنيا، وأن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطنًا ومسكنًا، فيطمئن فيها، ولكن ينبغي له أن يكون فيها كأنه على جناح يهيئ جهازه للرحيل.
أيها المسلمون: ها أنتم في آخر جمعة من هذا العام، وستبدؤون بعد أيام قلائل عامًا جديدًا فكم ودعتم في العام الماضي من عزيز عليكم؟ وكم ولد لكم فيه من الأولاد؟ وكم افتقر فيه من الأغنياء؟ واغتنى فيه من الفقراء؟ وهكذا الدنيا لا تدوم على حال، يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار.