وإن كثيرًا من الناس ليفرح ببداية العام، ويسر بها، وما درى هذا المسكين أن بداية العام محسوبة من عمره، وأن العام القادم شر من العام الماضي، كما في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:"ما من عام إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم"، وفي الحديث الآخر:"ما من عام إلا وينقص الخير فيه ويزيد الشر". إن كل الناس موقنون بالموت، مسلمهم وكافرهم، ذكرهم وأنثاهم، ما من أحد منهم يحدث نفسه بالخلود، لكن الفرق بيننا وبين الكفار أن الكفار لا يرجون جنة، ولا يخافون نارًا، ولا بعثًا ولا نشورًا، ونحن مؤمنون موقنون بذلك وأن مرجعنا إلى الله وأن الكفار هم أصحاب النار، وموقنون أن كل صغير وكبير مستطر، وأنا مجزيون بأعمالنا؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } .
فكونوا أيها المسلمون كما قال أمير المؤمنين عمر:"حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على الله"، { يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ } .
تذكروا بنهاية العام نهاية الدنيا، وإذا كانت منتهية وزائلة فهي هينة وضيعة، لا ينبغي للعاقل أن يتعب نفسه خلفها وفي البحث عن ملذاتها، فلو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء، وتذكروا ببداية العام الدار الآخرة، فهي حياة جديدة، ودار الأبد، ومستقر العمر، والحياة التي لا نهاية لها ولا انتهاء، { وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } ، فطوبى لمن شغلته أخراه عن دنياه، ويا سعادة من كان مستقبل عمره خيرًا من ماضيه، والويل والخسران لمن كان غير ذلك.