أيها المسلمون: إن مما نبه عليه القرآنُ ، وبتنا نراهُ في واقعِنا اليوم أن اليهودَ حين ينقضون العهودَ لا ينقضها جميعُهم في وقتٍ واحدٍ ، وإنما ينقضها فريقٌ دونَ آخر ، فإن أصابه سوءٌ ، تظاهر الفريق الآخرُ بالمحافظةِ على العهدِ ، وإن استقامَ لهم الأمرُ تتابعوا في النقضِ ، ومشى بعضهم وراءَ بعض قال سبحانه ( أو كلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم ) . واليوم الواقعُ اليهوديُ يصدقُ ما أخبرَ اللهُ تعالى عنهم فهاهم حزبٌ يدعو إلى السلامِ ، وحزبٌ آخرُ يجاهر بالعداوة، هذا يجلسُ على مائدةِ المفاوضاتِ ، والآخرُ يُعُملُ سلاحَه ، فإذا أمنوا تهالكوا جميعًا في الحقدِ والبطشِ والمكرِ ، هكذا هم اليهودُ فتبًا لمن لم تعظهُ حروف الزمان ...
ومن لم تعظه حروفُ الزمانِ ... ... وكيدُ الليالي يعيش مستضاما
الخطبة الثانية
عباد الله: إن من اللطائفِ القرآنية الدقيقةِ في قوله سبحانه (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة... ) )أن يأتي الأمرُ بإعدادِ القوة لإدخالِ الرعبِ والرهبةِ إلى قلوب الأعداءِ في سياقِ الحديث عن المعاهداتِ ونقضِ اليهودِ لها في كلِ مرةٍ ، فإن المعاهدةَ ليست سوى حبر على ورق لا أثر لها في الواقعِ إن لم تكن مدعمةً بالقوةٍ التي ترتعدُ لها فرائص العدو، كلما فكرَ في نقضِها أو إبطالِ مفعولِها ، وبعدَ الأمرِ بإعدادِ القوةِ الرهيبةِ يأتي الحديثُ عن السلمِ لأنَ السلمَ إن لم يكن من موطنِ القوةِ والعزةِ فهو تنازلٌ للعدوِ وخضوعٌ لشروطِه فيكونُ استسلامًا لا سلامًا .
أقرؤا ذلك كلّه في قولهِ تعالى (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون وإن جنحوا للسلم فأجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم ) ).