عباد الله: إن التأريخ الميلادي والشهور الإفرنجية نتاجُ عملٍ بشريٍ خالصٍ مولودٍ في بيئة رومانيةٍ ، وحضانةٍ نصرانيةٍ ، نشأ برعاية القياصرةِ وتعديلات البابوات والرهبان ، غير مبني على حسابٍ علمي صحيحٍ ، بعضها واحدٌ وثلاثون يومًا ، وبعضها ثمانية وعشرون يومًا ، وبعضها بين ذلك ، ولا يعلم لهذا الاختلاف من سبب حقيقي محسوسٍ أو معقولٍ ، ولهذا طرحت في الآونةِ الأخيرة مشروعاتٌ لتغيير هذه الأشهر على وجهٍ ينضبط ، لكنها عورضت من قبل الكنيسة والرهبان تعصبًا لباطلهم وتقليدًا لجهالِهم .
أيها المسلمون: أما التقويم الهجري فهو هويةٌ أمةٍ ، وتاريخ حضارةٍ امتدت عبر ثلاثة عشر قرنا من الزمان لم نكن نؤرخ فيها إلا بهذا التأريخ ، ومن هنا ارتبطت أمجادنا وأيامنا ومآثرنا بهذا التأريخ الذي تحولنا عنه إلى غيرهِ نتيجة لأحوالنا وأوضاعنا ، وآثرًا من آثار الغزو الفكري الذي أمتد في بلداننا .
عباد الله: لقد حَرِصَ الأعداءُ بشتى صنوفهم ، الكافرون والمشركون ، والمنافقون والعلمانيون على عزل الأمة عن تاريخها وتجهيل الشعوب الإسلامية به قرونًا متواليةً، ففي القرن الثاني عشر الهجري أرادت الدولة العثمانية تحديث جيشها وسلاحها فطلبت مساعدة الدولِ الأوربية العظمى فوافقت على مساعدتها بشروطٍ منها إلغاء التقويم الهجري في الدولة العثمانية فأذعنت لضغوطها ، وفي القرن الثالث عشر الهجريِ أراد خديوي مصر أن يستقرض مبلغًا من الذهب من بعض الدول الأوربية لتغطية مصاريف قناةِ السويس ، وافقوا مقابل ستة شروطٍ منها: الغاء التقويم الهجري في مصر فتم إلغاؤه سنة 1292هـ واستبدلَ به التقويم الميلادي .