وفي المستشفى يجلس أحد الشباب على الكرسي بجوار أخيه المصاب الذي يرقد على السرير ، يغالب النومَ والتعبَ ليسهر على راحة أخيه ، فيقال له: نم على السرير الآخر ، فيقول: لا ، ربما يستيقظ أخي ويحتاجني ، فيقال له: اذهب إلى البيت وعد في الصباح ، فيقول: قد مات أبويّ ، وليس عندي أب ولا أم في البيت ، فدعوني أسهر على راحة أخي.
أما الآباء والأمهات فقد كان لهم مواقف عظيمة ، من الصبر والرضا بقضاء الله ، وتفقد أحوال جميع المصابين سواء كانوا من أبنائهم أو من غيرهم .
يزور أحد الآباء ولده في المستشفى بعد وقوع الحادث ، فيسأله الشاب عن بقية الشباب . فيقول له الوالد: إنه زارهم كلهم قبل أن يزوره ، لأنه يعدهم كلَّهم من أبناءه .
أما الأمهات ، فحدث عن التواصل فيما بينهن والسؤال والدعاء ، وكأن الواحدةَ منهن هي المصابة بكل شاب من المصابين .
5.الدرس الخامس والأخير درس في الإيثار والتضحية:
لقد ذكرنا هؤلاء الشباب بالرعيل الأول ، الذين رضي الله عنهم وأثنى عليهم بقوله: { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } .
عندما وقع الحادث ، كان الواحد من الشباب ، ينسى نفسه وإصابته ، في سبيل إسعاف إخوانه .
وسائق السيارة يصاب بكسور في ظهره وصدره ، وينزف منه الدم ، ويسقط على الأرض بعد الحادث ، وينادي الشباب ليطمئن عليهم وهو لا يستطيع القيام ، ويقول للمسعفين: اتركوني وأسعفوا بقية الشباب .
ويُنقل للمستشفى ، فكان يئن في الليل ويتألم ألمًا شديدًا ، ومع هذا فقد كان همه الأول ، الشباب الذين كانوا معه .. وكان يقول: إنَّ فَقْدَ هذهِ الصفوةِ من الشباب خسارةٌ على الأمة !!. الله أكبر .. هكذا يفعل الإيثار في النفوس ، كما ذكر أهل العلم .
قال النووي:"والإيثار في حظوظ النفوس من عادة الصالحين".. وقال ابن العربي:"من وقى مسلمًًا بنفسه فليس له جزاء إلا الجنة".