عباد الله: لقد أدرك السلف الصالح والتابعون لهم بإحسان سر عظمة القرآن فطاروا بعجائبه ، وعاشوا مواعظه وحلاوته ، وفي المواسم الفاضلة يزداد التعلق ، ويشتد التسابق ، يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذ الناس نائمون ، وبنهاره إذ الناس مفطرون ، ويحزنه إذ الناس يفرحون ، وببكائه إذ الناس يضحكون ، وبصمته إذ الناس يخوضون ، وبخشوعه إذ الناس يختالون ، كان الزهري رحمه الله إذا دخل رمضان يقول: إنما هو قراءة القرآن و إطعام الطعام ، وقال ابن الحكيم: كان مالك رحمه الله إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم ، وقال عبد الرازق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن ، وقال النووي رحمه الله: وأما الذي يختم القرآن في ركعة فلا يحصون لكثرتهم فمن المتقدمين عثمان بن عفان ، وتميم الداري ، وسعيد بن جبير رضي الله عنه ختمه في ركعة في الكعبة ، قال الذهبي: قد روي من وجوه متعددة أن أبا بكر بن عياش مكث نحوًا من أربعين سنة يختم القرآن في كل يوم وليلة مرة ، فإن قيل أيهما أفضل: أن يكثر الإنسان التلاوة أم يقللها مع التدبر والتفكر؟
فيجيب عن ذلك النووي رحمه الله بقوله: والاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص ، فمن كان من أهل الهم وتدقيق الفكر ، استحب له أن يقتصر على القدر الذي لا يختل به المقصود من التدبر واستخراج المعاني ، وكذا من كان له شغل بالعلم وغيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة يستحب له أن يقتصر منه على القدر الذي لا يخل بما هو فيه ، ومن لم يكن كذلك فالأولى له الاستكثار ما أمكنه من غير خروج إلى الملل ، ولا يقرؤه هذرمة . ا.هـ .