فهرس الكتاب
وإن من أجلّ هؤلاء وأعظمهم وأقربهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منزلة صاحبه وخليفته أبوبكر عبدالله بن قحافة التميمي القرشي، أول من أسلم من الرجال، ولد - رضي الله عنه - بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعامين وأشهر، وكان أبيض نحيفًا، خفيف العارضين، قليل اللحم، ناتئ الجبهة، كثير الشعر، وكان يخضب بالحناء والكتم.
كان في جاهليته أعلم الناس بالأنساب، وفيما كان في قريش من خير أو شر، وكان تاجرًا، وصاحب خلق ومعروف، يألف ويؤلف، وكان صاحب رأي ومشورة، لم يشرب الخمر في الجاهلية، ولا في الإسلام، بل قد حرمها في جاهليته - رضي الله عنه - .
ولم يسجد لصنم، يقول - رضي الله عنه - لما ناهزت الاحتلام أخذني أبو قحافة إلى الأصنام، فقال: هذه آلهتك، فدنوت من الصنم وقلت: إني جائع فأطعمني، إني عار فاكسني، فلم يجبني، فألقيت عليه صخرة فخر لوجهه، ولما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعا الناس إلى الإسلام كان أولهم إسلامًا أبوبكر، ففي صحيح مسلم أن عمرو بن عبسه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أول البعثة: من معك في هذا الأمر؟ قال:"حر وعبد"، وليس معه إلا أبوبكر وبلال.
ولما أسلم جعل من نفسه داعية إلى دين الله، فدعا من يجلس عنده، فأسلم معه عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبدالرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه - .
واشتد أذى المشركين له لما أسلم، ليصرفوه عن دين الله، فخرج يريد الهجرة إلى الحبشة، فلقيه رجل من سادات العرب، فقال: أين تريد يا أبابكر؟ قال: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض، فقال: مثلك لا يُخرج، ولا يَخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف،وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، فأرجعه إلى مكة في جواره، ووافقته قريش على ذلك.