فهرس الكتاب
وكانت هذه الوصية في آواخر حياته - صلى الله عليه وسلم - ولهذا أبلغ في الموعظة ما لم يبلغ في غيرها، ففهموا أنها موعظة مودع، فإن المودع يستقصي ما لا يستقصي غيره في القول والفعل، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعظ أصحابه كثيرًا امتثالًا لقوله تعالى: { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ } .
ولكنه لا يديم وعظهم، بل يتخولهم به أحيانًا، وكان ابن مسعود يذكر أصحابه كل خميس، فقال له رجل: إنا نحب حديثك ونشتهيه، ولوددنا أنك حدثتنا كل يوم، فقال: ما يمنعني أن أحدثكم إلا كراهة أن أملكم، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتخولنا بالموعظة كراهة السآمة علينا.
وينبغي للواعظ أن يكون بليغًا فيختار ألفاظه، ويقصر خطبته ويوجزه، فقد كان هذا هو هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولهذا جمع في هذه الوصية البليغة خير الدنيا والآخرة، فقال:"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة".
فأوصاهم بالتقوى، وهي كافلة لسعادة الآخرة لمن تمسك بها، وهي وصية الله للأولين والآخرين، كما قال تعالى: { وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا } ، والتقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه، فيعمل بطاعة الله، ويجتنب معصيته، ولقد أوصى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث كثيرة لا تحصر، وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا وبها تنتظم مصالح العباد في معيشتهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم، كما قال علي - رضي الله عنه -:"إن الناس لا يصلحهم إلا إمامٌ بر أو فاجر. إن كان فاجرًا عبد المؤمن فيه ربه، وحمل الفاجر فيه إلى أجله".