فهرس الكتاب
ثم قال: ومنها أن مشاركتهم في الهدي الظاهر توجب الاختلاط الظاهر، حتى يرتفع ظاهرًا بين المهديين المرضيين وبين المغضوب عليهم والضالين، إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية، هذا إذا لم يكن ذلك الهدي الظاهر إلا مباحًا محضًا لو تجرد عن شابهتهم، فأما إن كان من موجبات كفرهم كان شعبة من شعب الكفر، فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع معاصيهم، فهذا أصل ينبغي أن يُتفطن له.
عباد الله:
قال - سبحانه وتعالى-: {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108] .
هذه الآية خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ألا يُصلي في مسد الضرار، وكان بناه جماعة من المنافقين مضارة لمسجد قباء وكفرًا بالله ورسوله، {وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ} [التوبة: 107] ، وهو أبو عمرو الفاسق، وكان بناؤه قبل خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك، فسألوه أن يُصلي فيه رجاء بركة صلاته، وذكروا أنهم بنوه للضعفاء وأهل العلة في الليلة الشاتية، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «إنا على سفر، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله» فلما قفل ولم يبق بينه وبين المدينة إلا يوم أو بعضه، نزل الوحي بخبر المسجد، فبعث إليه - صلى الله عليه وسلم - ، وهدمه وحرقه قبل قدومه، وهذا المسجد - عباد الله - لما أُسس على معصية الله والكفر به، صار محل غضب، فنهى الله - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يقوم فيه، لوجود العلة المانعة، وهو - صلى الله عليه وسلم - لا يُصلي إلا لله، فكذلك المواضع المعدة للذبح لغير الله يجب اجتناب الذبح فيها لله فالمعصية قد تؤثر في الأرض، وكذا الطاعة تؤثر في الأرض، فالصلاة في المسجد القديم أفضل من الجديد.