فهرس الكتاب

الصفحة 4053 من 13021

وقد كان الناس على التوحيد عشرة قرون منذ أن أهبط الله - سبحانه - آدم - عليه السلام - إلى الأرض حتى حدث الشرك بسبب الغلو في الصالحين؛ وذلك أن ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرا كانوا أهل دين وفضل وخير، وماتوا في زمن متقارب، فأسفوا عليهم، وصاروا يترددون على قبورهم، فأتاهم الشيطان وسول لهم أن يصوروا صورهم، ليكون أسهل عليهم من المجيء إلى قبورهم، ولم يكونوا قصدوا عبادتهم، وإنما قصدوا التذكر بهم، ليكون أدعى لهم على فعل الخير والتأسي بهم.

وقد أخرج الشيطان لهم هذه الحيلة في قالب المحبة؛ لعدم قدرته عليهم إلا بهذه الدرجة، ومقصوده من بعدهم الذين لم يعرفوا ما نصبت له، ليوسوس لهم أنهم كانوا معبودين في أولاكم.

حتى إذا هلك الذين صوروا الأصنام، ونُسي العلم الذي فيه بيان الشرك والتوحيد عُبدت تلك الصور؛ فأرسل الله - سبحانه وتعالى - نوحًا - عليه السلام - يدعوهم إلى عبادة الله وحده: {يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59] وأفادت الآية مضرة فقد العلم، وأن بفقد العلم وموت العلماء

يحل الجهل الناس فيظهر الشرك وتنتشر البدع.

قال ابن القيم - رحمه الله-: قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.

وما زال الشيطان يوحي إلى عُبَّاد القبور، إلى أن دعوا الناس إلى عبادتها، واتخاذها أعيادًا ومناسك، ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم، ثم نقلهم إلى أن عادوا من نهى عن ذلك، فقد تنقص أهل الرتب العالية، وعادوا أهل التوحيد، ووالوا أهل الشرك والتنديد، وزعموا أنهم أولياء الله: {وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأنفال: 34] .

عباد الله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت