فهرس الكتاب
قال القرطبي: ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبره - صلى الله عليه وسلم - فأعلوا حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره، خافوا أن يُتخذ موضع قبره قبِلة، إذا كان مستقبلًا المصلي، فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة، من ناحية الشمال، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره.
ولمسلم عن جندب بن عبد الله - رضي الله عنه - قال سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتى خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد» .
يخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل وفاته بخمس ليال عن تبرئه من أن يتخذ أحدًا من أمته خليلًا؛ لأن قلبه قد امتلأ من محبة الله وتعظيمه ومعرفته، فلا يسع لمخالة غيره - سبحانه-، فقد نال - صلى الله عليه وسلم - الخُلَّة كما نالها أبوه إبراهيم - عليه السلام - .
فالخلّة خاصة لهذين النبيين الكريمين، ولا ينافي ذلك عبوديتهما لله؛ أمَّ المحبة عامة لجميع المرسلين وسائر المؤمنين فإن الله يحبهم ويحبونه.
وبيّن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنَّه على سبيل الفرض ... والتقدير لو كان له خليلٌ من
الخلق لكان أبا بكر، وفي هذا التصريح بأنَّ أبا بكر - رضي الله عنه - أفضل هذه الأمة بعد نبيها محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وفيه إشارة إلى خلافته؛ لأن من كانت محبته لشخص أشد كان أولى بالنيابة عنه من غيره.
وفي الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك، فقد نهى عنه في آخر حياته.