فهرس الكتاب
وأما العيش في الدنيا في الطاعة، فإنه يبقى أثره ويمتد خيره، إلى ما لا نهاية، لأنه يتصل بعيش الآخرة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة"، وقال تعالى: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } .
فحياة المؤمن ممتدة متواصلة بالخير والسرور في دنياه وفي قبره ويوم نشوره، ففي الحياة الدنيا يستلذ بالطاعة، ويطمئن قلبه بذكر الله، فيعيش فيها منشرح الصدر، قرير العين، وفي قبره يفتح له باب إلى الجنة فيأتيها من طيبها ونعيمها، ويقال له: نم نومة العروس لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، وفي بعثه يبعث على أحسن حال، فيحاسب حسابًا يسيرًا، وينقلب إلى أهله مسرورًا، ويدخل الجنة دار النعيم خالدًا مخلدًا فيها، لا يمسه فيها نصب، ولا يخشى موتًا ولا همًا ولا مرضًا { وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } .
وأما الكافر فإنه وإن حيزت له الدنيا بحذافيرها، فإنه يعيش فيها مهمومًا مذمومًا، وتزول عنه سريعًا، ثم يموت ويعذب في قبره، ثم يبعث إلى النار، وبئس القرار، وهكذا عذاب متواصل كما قال تعالى: { لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِن وَاقٍ } .
عباد الله: وإن من أعظم ما يمر في عمر المؤمن إدراك مواسم الخير التي من أعظمها شهر رمضان المبارك، فإنه أعظم كسب في حياة المؤمن، وفي حديث الثلاثة الذين استشهد منهم اثنان، وبقي الثالث بعدهما، ومات على فراشه، فرئي سابقًا لهما، فتعجب الناس من ذلك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"أليس قد عاش بعدهما، وصلى كذا وكذا، وأدرك شهر رمضان فصامه، والذي نفسي بيده إن بينهما كما بين السماء والأرض".